شكل الفنان اليمني الراحل أبو بكر سالم بلفقيه (17/3/1939م - 10/12/2017م) عبر مسيرته الفنية الحافلة، كوناً فنياً مترامي الأطراف، عبره احتوانا، أو احتويناه، فتوحدت قلوبنا بشجى صوته، وفتنة كلماته، حتى لم نعد ندري أصوته نحن أم ذلك الشجو، فهو الأقرب إلى الروح والقلب والأذن.
في إحدى مدن حضرموت الشهيرة بعلمها وتسامحها وحبها للحياة، ولد الفنان أبو بكر، وتحديداً في مدينة تريم، لأسرة اشتهرت بالعلم والتجارة. وفي هذه المدينة تلقى تعليمه، وبدأ حياته مؤذناً ومقرئاً في مساجدها، محلِّقاً بصوته الشجي عبر مآذنها العتيقة مصافحاً السماء... فكانت الانطلاقة الأولى تلك، ثم انتقل لاحقاً إلى عدن، وهاجر منها إلى بيروت، ثم عاد إلى حضرموت، ثم انتقل إلى القاهرة، واستقر لاحقاً في السعودية، وظل يتنقل بعد ذلك بين القاهرة والسعودية حاملاً معه تراث وطنه وجذوره ومكونات هويته التي لم يفرط فيها يوماً.
والفنان الأشهر في الجزيرة العربية - لحناً وأداء وكلمات وتوزيعاً - وصف بـ«صاحب الحنجرة الذهبية»، لمرونتها وقدرتها التي جعلتها أهم حنجرة في العالم من حيث استطاعة صاحبها على تطويعها واستخدامها كما لو أنها آلة موسيقية، وهي الحنجرة التي جعلت بلفقيه يحصل بجدارة في العام 1978م على جائزة أفضل صوت في العالم، من حيث استثماره المتفرد لطبقات الصوت في أغيته الشهيرة «أقول له إيه».
وفي العام 2004م، أثناء زيارته لمدينة المكلا، منحته جامعة حضرموت للعلوم والتيكنولوجيا الدكتوراه الفخرية. وفي العام ذاته، افتتح المركز الثقافي في المكلا حاملاً اسمه، كان ذلك تقديراً لعطائه الفني المتميز وتخليداً ووفاء له، وإيماناً بالرسالة الإنسانية السامية التي يضطلع بها.
والفنان والشاعر بلفقيه القادم من مآذن تريم وسعف نخيلها وأفئدة ناسها كان كما يؤكد الكاتب بدر بن عقيل «قد تميز طيلة مشواره بحفاظه على هويته الغنائية وقربه من الجمهور دون أن تأخذه الموجات الفنية المتقلبة كغيره من فناني جيله، لذا يعد من القلة في العالم العربي التي لم تخضع أصواتها للتجارب تحت أي ظرف من الظروف».
لقد حافظ هذا الفنان الأصيل على هويته بقدر ما حافظ على هوايته، فظل محترفاً عاشقاً، ومؤدياً بارعاً، وبرغم المغريات لم يفرط في أي منهما. لقد ظل وفياً لهويته وجذوره كما ظل مخلصاً للفن الذي خرج معه من جبال وسهول ووديان اليمن وقراها، وانداح من غيومها ونجومها بحراً من الموسيقى وغاباً من الشجن وحضارة من الضوء... ظل الحضرمي الأصيل، والقحطاني النبيل، الذي توقف الزمن عند بحة صوته العالقة في تقاسيم وتقاطيع:

«أمي اليمن
في داخل القلب حبك في الفؤاد استبى
يا كاتب التاريخ
سجل بكل توضيح
أنت الأصل والفصل والروح والفن
من يشبهك من
يا يمن...»

شكل مع الشاعر والملحن الراحل حسين أبو بكر المحضار ثنائياً باذخاً، لحناً وكلمات وأداء، فتمازجا، واكتمل بذلك توليب الحنين والشجن والحب، ومع ذلك لم يقتصر بلفقيه على أداء كلمات وألحان المحضار فحسب، بل أدى من كلمات وألحان غيره، ومن ألحانه هو، ومن كلمات لطفي جعفر أمان، ومن كلمات جده الراحل أبو بكر بن شهاب، وغنى العامي والفصيح، كما غنى للحب والوطن وأتقن اللون الحضرمي والصنعاني والعدني، تماماً كما أتقن الوصول إلى قلوب الملايين من محبيه في الوطن العربي الذين شعروا باليتم والألم بعد رحيله.
وفي لحظة ذهول لم يستطع عشاق هذا السامق فناً والخالد حباً في قلوبهم استيعاب فكرة رحيله، بل يؤكدون أنه لم يرحل ولن يفعل... فهو غيمة العطر القادمة من سماوات أغانيه، وهو البخور الحضرمي الذي يجول في الأزقة والمنافذ والنوافذ، وهو الكون الذي يفتح ذراعيه للعاشقين، ويزرع في قلوبهم ثقافة الحب والسلام، وهو الصوت الذي يسكب الطمأنينة في كل شبر في هذا الوطن المكلوم.
التعليقات