كأي شيء في اليمن تحول الراتب من عنصر يساعد قليلاً في مقاومة الجوع والمرض إلى أداة من أدوات الحرب، فأصبح مئات الآلاف من الموظفين غير قادرين على مواجهة أعباء حياتهم اليومية في صراع حقيقي مع المجاعة وضغط الحاجة. تتصارع الأطراف على كرسي السلطة لبحث مصالحها أولاً، وليس لمصلحة هذا المواطن الذي يقضي الآن شهره الرابع دون راتب، في حين أن المليارات تذهب إما للمجهود الحربي أو لجيوب أمراء الحرب، ويمكن لعشر تلك المبالغ أن تكون كافية لدفع مرتبات موظفي الدولة كلهم لنصف سنة. لا أدري كيف يمكن لهذا المواطن أن يثق بسلطة شرعية فيناصرها، وسلطة أخرى انقلابية تدعي أنها جاءت لتحرر الإرادة الوطنية وتحارب الغلاء والجرعة فيناصرها أيضاً، وكلاهما لا يهتمان لأمره ولا لأمر أولاده، فحولا قوته إلى آلة حربية تصنع الموت والخراب والدمار والمجاعة. فلو كان هناك اهتمام بهذا المواطن المغلوب على أمره لما كان هذا هو حاله وهو يستجدي راتبه من أطراف الصراع.
المخزي جداً هو حال أولئك الإنقلابيين الذين يدعون شرفاً لا يستحقونه بأنهم دفعوا المرتبات لمدة سنة لجميع الموظفين في كل مناطق اليمن، في حين أن السلطة الشرعية لم تفعل ذلك بعد نقل البنك من صنعاء إلى عدن، متناسين أو راغبين في أن يضحكوا على من يصدقهم بأن كل إيرادات الدولة لمدة سنة ونصف كانت تورد إلى صنعاء من اليمن كلها، حتى من تلك المنافذ التي تسيطر عليها الشرعية، وأن الضرائب والجمارك وإيرادات الغاز والنفط كلها تصل إلى البنك المركزي في صنعاء، في حين أن إيرادات الحديدة وضرائب الشركات كلها في صنعاء حالياً لا تورد إلى عدن. هؤلاء يريدون انقلاباً على الشرط: ننقلب وتدفعون لنا مرتباتنا ونحن لا نسلم لكم الإيراد. هؤلاء هم أسوأ من يستغل المرتبات ليجعل منها ورقته الرابحة، يجوّع الناس ويستلم الإيرادات السيادية وغيرها لتكون أمواله الخاصة التي يمول بها حربه على اليمن واليمنيين، ثم يدعي أن مسؤولية المرتبات ليست مسؤوليته. إذاً فما هي مسؤوليتك؟ صنع الحرب والخراب فقط؟
طرف الشرعية يتحمل المسؤولية الكبرى، فهو الذي تأخر عن اتخاذ القرار الإقتصادي في هذه الحرب منذ وقت مبكر، فقد ترك لتلك العصابة الفرصة لأن تستمر في حربها وبيدها كل مقدرات الدولة لأكثر من عام ونصف العام. لذا فعليها أن تتخذ القرار المناسب الآن، ومعالجة كل الأخطاء التي ساعدت العصابة على بقائها وتمويل حربها، وفي الوقت نفسه دفع مرتبات الموظفين، فهي الشريان الوحيد الذي يساعد من بقي من اليمنيين على قيد الحياة، فالمرتب للموظف لا يعنيه فقط، ولكن أيضاً يعني من يعول، ويعني المواطن المستفيد من حركة هذه الأموال البسيطة. صحيح أن المؤسسات الإيرادية في مناطق كثيرة من اليمن ما تزال تحت يد الحوثيين، ولكن هذا لا يبرر أن لا يستلم الموظفون من هذه المناطق المرتبات. وعلى الحكومة الشرعية أن تبحث طريقة معينة لكيفية السيطرة على الإيرادات لأنها ستربط التحويلات الخارجية عبر البنك المركزي بعدن، وتلك الشركات التي لاتورد ضرائبها إلى بنك عدن تتعرض للعقوبة والحصار حتى تفيء إلى نظام الدولة وقانونها. وصحيح أيضاً أن المجهود الحربي سيستمر، ولكن هذا يخفف قليلاً من زخم الدعم لصندوق الإنقلاب. وفي الوقت نفسه، عليهم أن يعلموا أن المرتبات حرب خاسرة لأن المواطن هو ضحيتها الأول وليس الإنقلابيين.
التعليقات