مثّلت الحواس الخمس البوّابات الرئيسية للإنسان لاكتشاف العالم. بها تعرّف إلى الكون من حوله، واكتشف بها ذاته، وعبّر بها ومن خلالها عن نفسه. ومع سعة الكون وعمقه وغموضه، فقد ظلّ الإنسان ساعياً من أجل البحث عن حواسّ أخرى تساعده على مواصلة الاكتشاف؛ فكلّما توسّع في استكشاف العالم زاد غموضاً وحيرة. وقد تفاعل الإنسان مع ما حوله، محاولاً صناعة قدسية خاصّة تحميه من غموض المجهول، الذي عجز عن اكتشافه أو اقتحام أسواره. وقد كانت حاسّة الشمّ واحدة من تلك البوّابات السرّية التي منحت الذات قدرة على وصف العالم من خلال الرائحة. بيد أنها أكثر قرباً من روح القداسة في هذا العالم الغامض. وإذا كانت محاولة الإنسان تدجين الغموض في شكل عبادات مجسّدة، عبر استحضارها بصرياً في هيئة شمس أو قمر أو تماثيل بادية للعيان، فإن الرائحة المتمثّلة في هيئة التوابل والبخور والعود والعنبر وغيرها، كانت المثير الشرطي لهذه القداسة.
تشكّل الرائحة إذاً مصدراً للغموض، في ذاتها وفي الأشياء من حولها. ولأنها كانت غامضة في ذاتها، لم يتطرّق إليها المتأمّل البشري بصورة مستقلّة، بل كانت عرضية تحيط بالحواس الأخرى، لا سيما البصر. لقد ظلّ الإنسان في السابق يحاكي العالم في محاولة لتجسيده، ولكن عبر حاسّة البصر أو اللمس أو السمع. فأغلب النتاجات البشرية السابقة معتمدة على هذه الحواس في محاكات العالم من حوله، ولم يسبق لي أن رأيت عملاً إبداعياً يعتمد على حاسّة الرائحة كما هي في رواية العطر لباتريك سوزكيند، إذ دلف من خلالها نحو اكتشاف عالم غامض وثريّ ومدهش، لم يتطرّق إليه أحد من قبل؛ هذا الغموض وهذا الثراء يشبهان تلك القداسة التي أحاطت بالمتعبّد القديم، الذي أحضر البخور وتوابعه ليقدّس آلهته في سبيل حلّ معضلة غموض العالم. إن هذا الأمر يجعلنا نضع تساؤلاً: هل للذاكرة علاقة في حلّ هذه المسألة؟ تثبت الكثير من الدراسات أن ذاكرة الرائحة أقوى الذواكر رسوخاً في دماغ البشر، وأنها تفوق بقيّة الحواسّ الأخرى. ليست المسألة هنا بغرض المفاضلة، ولكن المسألة تتعلّق بهامش الغموض الذي يمنحها نوعاً من القداسة اللذيذة.
في كتابه سقطرى جزيرة الأساطير، يورد الباحث الروسي، فيتالي ناومكين، أبياتاً لقصيدة باللغة السقطرية، يرويها أحدهم له في جزيرة عبد الكوري. تقول الأبيات في معناها باللغة العربية:

"أنف التي ولدت لأوّل مرّة
ونسيَت آلام الحمل والولادة
لا يشمّ رائحة الخجل
والغصن الذي غطّت به الوليد
والحجر الذي أفقده القدرة على الحراك
لا يشعران بالخجل"

ومن هذه الأبيات، التي تسيل شاعرية مخلوطة بغموض شفّاف، يقول الباحث إن فيها مفردات محيّرة لدارسي الفولكلور السقطري؛ فالنص يحكي قصة شابّ يلوم زوجته الشابّة التي ذهبت للرقص وتركت ابنها الوليد، مشبّهاً هذا المولود بالأنف. والأنف هنا تشبيه غريب، لم يذكر من قبل، ولم يتبيّن حتى في الثقافة العربية أيّ ملامح لتشبيه الطفل بالأنف، وربما التشبيه هنا يأخذ البعد المقدّس لمكانة الأنف في الثقافة الأعرابية القديمة، وهي امتداد للرائحة والبعد القدسي والأسطوري فيها، ثم يسوق لذلك دليل المصافحة بالأنف وكذلك التقبيل لليد بالأنف وليس بالشفتين، في سقطرى وعند البدو في الجزيرة العربية. فللأنف مكانة عالية في جسد الإنسان، عند تلك الثقافة، المتأصّلة في التاريخ، التي تأخذ بعداً أسطورياً له ملامح القداسة إن لم يكن للدين فيها أي تدخّل مباشر.
إذا أمكن رصد الآثار الثقافية حول الأنف والرائحة، في الأمثال العربية وفي مختلف التجلّي الثقافي، فسنجد الأنف يبرز كمكانة عالية ومقدّسة. فالإشارة إلى الأنف دلالة على الرفعة وعلوّ المكانة. فحين يقال إنه سيعمل الشيء "رغماً عن أنفه"، أي ملزماً به، والأنف يعني هنا أنه سيقوم بالفعل وأقدس مكان فيه مجبر على الفعل، والإشارة إلى كسر أنف الشخص تدلّ على إهانته عبر أسمى منطقة فيه، قال الحطيئة مادحاً:

"قوم هم الأنف والأذناب غيرهم... ومن يسوِّي بأنف الناقة الذنبا"

فالأنف إذاً جرّ معه هذه المكانة العالية في شأن الجسد، ومن ثم استحقّت الرائحة عبره أن تكون لها هذه المكانة العالية والرفيعة والسحرية.
في بعض مناطق حضرموت، يسمّي الناس القبلة "شمَّة" (من الشمّ)، وهي دلالة على ارتباط هذه الحاسة بالحب والتعبير عنه، ومن هنا نجرّ الفكرة إلى المصافحة بالأنف في بعض القبائل، لا سيما البدوية، ثم إلى السجود، سواء كان في الصلاة المعروفة أو تلك الطقوس في العبادات لدى الديانات المختلفة، التي يكون فيها الأنف مرغماً في التراب دلالة على الخضوع والاستسلام والتذلّل.
إذا كان لدينا خمسة مفاتيح لاكتشاف العالم، فأيّهما أقرب إلى الوسطية بين التجسيد والتجريد؟ ربما تكون حاسّة الشمّ هي تلك الحاسّة الواصلة بين الحالتين، حالة التجسيد المباشر، وحالة الغموض والتجريد بمعانيه المتعدّدة. ومع ذلك، تظلّ هامشية في اهتمام الإنسان، لأنها لا تقع تحت وعيه المباشر بل تحتلّ موقعاً بين التجلّي والخفاء، قد جعلها بعيدة عن سيطرته المباشرة، ليكتشف بها المواطن الغامضة من العالم، ليتسلّل الخارج إلى داخل الذات، جامعاً القدسي بالعادي.
التعليقات