لم تلق الحرب بمآسيها على الواقعين تحت نيرها في الداخل فقط، بل امتد لهبها ليصل أطراف الأرض لكل من ينتمي لليمن. ففي الخارج يكفي أن تكون حاملاً للجواز اليمني حتى تشملك مأساة الإنتماء، حتى تُقفل في وجهك كل الأبواب حيثما اتجهت؛ فدول تمنع نهائياً دخول اليمنيين أراضيها، وأخرى تفتح أبوابها جزئياً لمن ترى فيهم منفعة لها مستقطبة الأموال المهاجرة بطرق مشروعة وأخرى غير مشروعة. بيد أن المأساة الأنكى حالياً هي للطلاب الذين انطلقوا بأحلامهم وطموحاتهم للبحث عن منابع العلم والمعرفة، فسحقتهم الحرب حيث هم، بين طلاب يعيشون الآن أكثر من نصف عام دون أية مصاريف، وآخرين مفصولين أو مهددين بالفصل من جامعاتهم حيث لم يتمكنوا من دفع الرسوم المقررة عليهم.
لقد بدأت مأساة طلاب اليمن في الخارج منذ سنوات. كان الطالب اليمني يعيش على الكفاف غير قادر على أن يؤمن لنفسه وأسرته في بلد الدراسة الحد الأدنى من العيش، الذي يحفظ له كرامته ويجعله قادراً على مواصلة دراسته وتعليمه بعيداً عن التفكير في هم توفير المصاريف أو الإيجار أو غيره. ومع ذلك، فقد حاول الطلاب أن يكيفوا أنفسهم وفق وضع معين يمكنهم من تجاوز حالة العجز في حجم المصروف، ووضع ميزانية تحمل الحد تحت الأدنى، وتسمح لهم في الوقت نفسه بمواصلة حياتهم ودراساتهم على أمل التغيير للأحسن. لكن المسألة لم تقف عند هذا الحد، فبدأت تتفاقم مع التحولات السياسية في المنطقة العربية، لاسيما في سوريا ومصر حيث الطلاب اليمنيون متركزون. ومع تقلب الوضع السياسي والاقتصادي، وكذلك تدهور الوضع في اليمن، بدأت المستحقات تتأخر عن موعدها، وفي الوقت نفسه يزداد غلاء المعيشة، فيتعرض الطالب للضغوط من جهتين؛ الجهة الأولى زيادة الغلاء في بلد الدراسة، والجهة الثانية تأخر المستحقات القليلة أصلاً من بلده، حتى وصل بهم الحال أخيراً لأن يعيشوا الآن في شهرهم السابع دون أي مستحقات تذكر.
لست أدري كيف يمكن للمتقاتلين والمتصارعين على السلطة في اليمن، وللحلفاء وداعمي المتصارعين، أن يقوموا باستهلاك المليارات في إلقام نارالحرب المزيد من الوقود، دون أن ينتهبوا إلى هذه المأساة التي تكفيها أعشار المجهود الحربي لتغطية أشهر من حاجة الطلاب إلى من يشبعهم من جوع، ويؤمنهم من خوف الطرد من مساكنهم أو الفصل من كلياتهم وجامعاتهم. أي شرعية هذه التي لم تستطع حتى الآن أن تلتفت إلى نداءات طلابها المعتصمين في مختلف سفارات العالم، وتعمل على إيجاد الموارد اللازمة لإنقاذهم من براثن الحاجة؟ هل عجزت فعلاً هذه الحكومة ورئاستها عن إيجاد الحلول؟ فإن كانت عاجزة عن حل هذه المعضلة فإنها تسقط عمداً مفاتيح شرعيتها، حيث لا يوجد أمامها أي مبرر قانوني ولا أخلاقي ولا شرعي يسمح لها بالمراوغة والمماطلة.
تستطيع هذه الحكومة بما أوتيت من شرعية أمام العالم ومنظماته وجهاته المانحة أن تعمل على إيجاد مصادر تمويل تساعدها على تغطية نفقات الطلاب المبتعثين، ومساعدتهم على تجاوز محنتهم، دون أن تتكلف أي أعباء إضافية قد تكون واقعة تحتها بالفعل. فمتى ما كانت مصارف هذا التمويل واضحة كوضوح حاجة هؤلاء الطلاب، فإن الحكومة لن يعوزها أبداً أن تجد مصدراً للتمويل، فبإمكان أي جهة خارجية أن تقدم مساعدات وتنقذ مستقبل الآلاف من مخالب الضياع. كما يمكن للحكومة ورئيسها التنسيق مع الدول المانحة التي تقعد الآن في مقعد المتفرج، ومحاولة إيجاد مخارج سريعة وتوفير تمويل لمساعدة كل الطلاب المبتعثين، وفق آلية معينة يمكن للجهات المانحة أن تحددها لتفادي أي شبهة فساد يمكنها أن تلتهم مستحقات الطلاب أو يتكسب أصحابها باسمهم.
التعليقات