عتمة هي تلك المنطقة الريفية الساكنة قلب الطبيعة، والبعيدة دائماً عن اهتمام الدولة أو انتباهها، إلا في الحروب والصراعات، فإنها دائماً ما تكتوي بنيرانها ويصيبها شرر هذا الانتماء. لا ذنب لعتمة إلا أنها تحمل معاني الجمال والسكينة التي ما زالت تحتمي بفطرتها من ضجيج كل هذا القبح الذي يحيط بها. لقد حشد لها من كل جانب، وأتى بدباباته ومدرعاته وأسلحته الفتاكة، لا لشيء، إلا ليُخضع هذه البراءة لجبروت قبحه؛ فالجمال عدوه الأول.
أي هدف للحوثيين وحلفائهم في تلك الجبال التي يقطنها الفلاحون الذين ارتضوا أن تكون هذه البيئة المرتبطة ببراءتها وجمالها سكناً لهم، بعيداً عنهم وعن صراعاتهم المزمنة على السلطة وماحولها؟ لا يبدو للحوثيين وحلفائهم إلا أنهم أعداء لكل شيء جميل، وأنهم في هذه العداوة المتأصلة في نفوسهم يسعون إلى محاولة إخضاع كل صوت يخالفهم ودفعه إلى الانصياع لهم ولإرادتهم. لا هدف عسكري ولا استراتيجي، ولا مردود اقتصادي، ولا شيء يذكر للحوثيين في عتمة، سوى إعطاء الدرس لكل من تسول له نفسه أن يتمسك بحقه في الحرية والكرامة، بأن عليه أن يصمت ويرضخ لهم حتى يأخذوا حقهم في السيطرة على رقاب الناس وأموالهم وحريتهم ومستقبلهم.
في المقابل، فإن عتمة والأحرار من أبنائها لم يكن هدفهم سوى حماية أنفسهم وأموالهم وأعراضهم من هذا القبح الذي جاءهم، يمارس هواياته الدائمة في تفجير البيوت وإحراق الممتلكات وقتل الناس في الطرقات. هدف عتمة هو أن تحمي جمالها من هذا الغازي الحاقد على كل القيم الجميلة والمعاني الإنسانية النبيلة؛ فلا حرية لأحد إلا له في السيطرة على رقاب الآخرين وأموالهم وكل حقوقهم، ولا حق إلا حقه في تفجير بيوت خصومه ومصادرة أمولهم وقتل أبنائهم. فشتان بين من هدفه حماية نفسه وماله وعرضه وقيمه الجميلة، ومن هدفه فقط السيطرة وبسط نفوذه وتأصيل قبحه في هذه الجبال البعيدة. لكن مع ذلك، تظل مشكلة المقاومة في عتمة هي مشكلة المقاومة في اليمن بشكل عام؛ فأول ما يواجهها هو سوء التوظيف من قبل الشرعية والأطراف المرتبطة بها، إذ تجير النجاحات التي تحققها لها، مع اختلاف الهدف لكل منهما. فهدف هذه المقاومة هو حماية نفسها من معتد آثم جاء إلى هذه القرى زاعماً أنه يلاحق المرتزقة والمعتدين كما يقول، في حين تتعدد الأهداف في طرف الشرعية وحلفائها بمشاربهم المتنوعة، ومع ذلك لم تقدم هذه الشرعية شيئاً يذكر لهذه المقاومة التي تعتمد على إمكانياتها الخاصة في الدفاع عن نفسها.
الأمر الآخر الذي يخذل هذه المقاومة هو العناصر التابعة للحوثيين وحلفائهم من أبناء هذه المديرية، فهم العدو الأول الذي سهل للمعتدي الدخول إلى بلادهم وتمكينهم من تفجير بيوت أهلهم ومحاصرة قراهم، دون أن يضعوا في حسبانهم أن مثل هذه التصرفات ستؤصل لأحقاد دائمة في المستقبل، في حين أن المعتدي سيغادر هذه الجبال عاجلاً أو آجلاً. الأمر الذي يمكن أن يكون ميزة لهذا الاعتداء أن هناك الكثير من العناصر التي كانت على ارتباط وثيق بالحوثي وصالح، قد فكت ارتباطها به بمجرد أن وصلت نيرانهم إلى قراهم ومساكن أهلهم في هذه الجبال الخضراء البعيدة. لم يصحوا إلا بعد أن وصلت الحرب إلى قراهم وبيت أهلهم، ولم يؤذهم تفجير البيوت إلا بعد أن شاهدوا بيوت جيرانهم يتم تفجيرها من قبل هذه المليشيات، تأخروا كثيراً، ولكنهم ارتضوا أخيراً أن يكونوا إلى جانب أهلهم، في حين أن الكثير ما زال يخدم هذه المشاريع المليشياوية ولو على حساب أهله وجيرانه، ولكن ربما يصحون حين يتم نسف بيوتهم قريباً.
التعليقات