على مدار سنوات عديدة، يقبع اليمنيون تحت طائلة الألم، مفتقرين إلى أبسط الحاجات الأساسية التي يحصل عليها البشر، متحملين أعباء متراكمة. يعيشون أوضاعاً إنسانية لا يمكن أن تجدها إلا في كتب التاريخ. إذ ينحت الفقر أجساد الأسر، ويشربون مياهاً غير صالحة للاستهلاك الآدمي، بل إن المياه في بعض المناطق غير صالحة للبناء ولا لسقي الأشجار، مع ترد فظيع في الخدمات الأساسية وانعدام الكهرباء أو ملاحقتها، بحيث تتحول في كثير من الأحيان إلى مصدر تعذيب أكثر من كونها خدمة تساعد الإنسان على تسهيل حياته. يضاف إلى ذلك وضع صحي مزر؛ فكثير من المستشفيات إما مقفرة من الخدمات أو تقدم خدماتها الطبية في ظل قصور في الإمكانات والكوادر، مما يجعل العمل فيها محفوفاً بالمخاطر على المواطن، فتسلبه ماله وحياته في كثير من الأحيان، فضلاً عن تعليم لا ينتمي إلى القرن الواحد والعشرين في شيء، ومنزوع القيمة العلمية، وغير قادر على مجاراة التعليم في العالم.
كل هذه هي ما توحد اليمنيين في كل مكان، بيد أن الفساد والفاسدين لا ينظرون إلى كل هذا، بل يحولون القضايا المصيرية التي توحد الناس إلى أداوت للتفرقة، فيخترعون أدوات يقدمون فيها الاختلاف بين الناس، فيجعلونهم يقتلون بعضهم بعضاً في سبيل الدفاع عن أسس ذلك الاختلاف. عبر التاريخ، يخترع المفسدون وسائل التفرقة بين الناس؛ فالبشر، وفي كل مكان، هم في الأخير بحاجة إلى وسائل تنظم حياتهم بشكل عام، مع احتفاظ كل شخص بحقه في تميزه، عرقياً ودينياً ولغوياً وفكرياً ومزاجياً و... إلى آخر هذه الاختلافات، بيد أن الفاسدين لا يريدون أن يظل الناس على انسجام، ففي ذلك بيئة غير صالحة لعملهم، فهم يعيشون على الصراع والقتال والحروب، ولولا الحرب والصراع والقتال لما وجد المفسدون سوقاً صالحاً لبيع سلع الموت الذي يمدهم بالحياة.
في اليمن، يبحث الفاسدون عن ما يفرق الناس، ولعل أهم عامل هو العامل الديني. ومع أن اليمن بصورة عامة لا يوجد فيه تنوع ديني، فهم يبحثون قدر الإمكان عن أي اختلاف له علاقة بالدين، فيفرقون بين زيدي وشافعي، وهذا منذ زمن الإمامة التي كانت تلعب على هذا الأمر، ثم البعد العرقي أو السلالي الذي يفرقهم إلى هاشميين وغير هاشميين، أو مناطقي إلى يمني أعلى وأسفل وجبلي وتهامي وشمالي وجنوبي ... إلخ. يخترع المفسدون مسوغات تمنح طرفاً الأفضلية على حساب آخر، وهو هدف تكتيكي ليس فيه مصلحة مباشرة، إنما ما وراءه إذكاء الصراع.
إن الطريقة التي يعمل بها المفسدون لتحقيق هذه الاستراتيجية تتمثل في الابقاء على الجهل؛ فالجهل هو السبب الأساسي الذي يجعل الناس تعمي بصرها عن رؤية ما يوحدها والبحث عن الاختلافات، والجهل سلاح استراتيجي أساسي يمكن الفاسدين من السيطرة على وعي الناس، ومن ثم تسهيل توجيههم بعد ذلك الوجهة التي يريدونها، وتحقيق أهدافهم في السيطرة الشاملة على المجتمع بكل أطرافه المتصارعة. ومن أجل تجاوز هذه المعضلة المتمثلة في بقاء حالة الصراع داخل أطراف المجتمع على أساس هذه الاختلافات المزعومة، فإن أهم وسيلة لتحقيق ذلك هي مواجهة الجهل بوصفه النقطة المركزية التي يركز عليها الفاسدون، ليدخلوا منها إلى نقاط التحكم بالمجتمع وتحقيق أهدافهم.
ينبغي أن يعي الناس أن ما يوحدهم هو الأساس؛ فالألم هو الذي يوحدهم، أما ما يفرقهم فهي مصالح الفاسدين فقط لا أكثر؛ فهي التي تجعلهم يقاتلون بعضهم البعض، لا لتحقيق أهدافهم ولا مصالحهم، وإنما مصالح وأهداف القلة المتحكمة بكل هذه الفوضى.
التعليقات