يرتبط السلاح بالانسان اليمني منذ القدم؛ إذ يعد جزءاً من هويته، ليس بوصفه أداة حربية فقط، بل بوصفه جزءاً من شخصيته. تكشف التماثيل اليمنية القديمة واللقى الأثرية في مناطق مختلف من اليمن هذا الترابط الوثيق بين الإنسان والسلاح، والذي كان يتجلى في العصور السابقة على شكل خناجر وسيوف ورماح، وفي العصور الحديثة تطور ليصل إلى وسائل الموت الحديثة من رشاشات ومسدسات وقنابل وغيرها. ومع أنه أداة للموت، فإنه في كثير من مناطق اليمن، لاسيما في الشمال منه، يعد السلاح الشخصي عنصراً مكملاً للشخصية، فيعمد الناس إلى جعله جزءاً أساسياً من الزينة في أفراحهم واجتماعاتهم وتنقلاتهم. كما يحرص الناس هناك على اقتناء أحدث الأسلحة، لا لكونها أداة للقتال أو للدفاع عن النفس، بل لكونها جزءاً أساسياً من الشخصية، ومظهراً اجتماعياً مهماً يحرص الكثيرون على اقتنائه، قبل الكثير من الضروريات الأخرى.
إن السؤال الذي يتبادر هنا إلى الذهن: لماذا هذه النظرة الغريبة التي تجعل السلاح مصدراً للفخر؟ وما الذي يجعل هذا التفكير الإجتماعي الجمعي ينظر إلى السلاح هذه النظرة الغريبة التي تحوله من أداة للموت إلى أداة للزينة والتفاخر وإظهار المستوى الإجتماعي؟ وكيف تشكل هذا النسق حتى وصل إلى كل هذا العمق الذي يجعل من الإنسان يسعى إلى الحصول عليه، لا ليقاتل أو يدافع عن نفسه، ولكن لكي يرفع مستواه من درجة معينة - كما يعتقد - إلى درجة أخرى على حسب نوع وشكل السلاح الذي سوف يحمله؟ لقد وصل الربط الغريب بين السلاح والشخصية إلى الربط بين الرجولة والسلاح؛ فكلما كان السلاح الذي يحمله الشخص أجود وأجمل تصميماً كان حامله أكثر رجولة، لذلك نجد أن الناس يعمدون في يوم الزفاف إلى إلباس العريس أحدث الأسلحة، فقد كانوا في الماضي يلبسونهم السيوف المذهبة، ثم تطور الأمر ليلبسوهم الـ"كلاشينكوف"، والآن نجد أنهم يلبسونهم سلاح القنص روسي الصنع، وهكذا يرتبط السلاح هنا بحداثته وبدرجه فتكه بالرجولة، للدرجة التي تجعل العريس يكمل به زينته يوم فرحه.
إن هذا النمط الإجتماعي له جذور تاريخية حين كان السلاح هو المتغير الوحيد، في تفكير بدائي يتنافس فيه البشر من أجل الحصول على المأكل والمشرب والمسكن، ويدافع فيه طرف عن نفسه من هجوم آخر قد يسلبه ما معه. تطورت المجتمعات وتطورت معها أشكال الحياة، وصار الناس، لكي يظهروا مستوياتهم الإجتماعية، يتنافسون من خلال إظهار امتلاكهم وسائل أخرى. لم يعد السلاح هو المتغير الوحيد في هذه الحياة. صار الناس يتنافسون، ليس في امتلاك أدوات الحياة، بل في اكتشاف طرق جديدة لجعل الحياة تبدو أفضل، في حين ظل المجتمع اليمني محكوماً بهذا النسق البدائي، الذي يتنافس أفراده من أجل الحصول على أحدث الوسائل إماتة.
مرت المجتمعات في التنافس على إنتاج وسائل الحياة، لتصل حالياً للتنافس في ما بينها من أجل اكتشاف الطرق الأكثر اكتمالاً لحماية الإنسان من مشاكله التي تنافس فيها في العصور السابقة، فيبدو التنافس مشروعاً من أجل الحياة لا من أجل الموت، في حين يظل هذا النمط من التفكير في المجتمع اليمني عكس ذلك تماماً؛ فهو تفكير يشرع للموت على حساب الحياة. إن أي تفكير لتحديث المجتمع ينبغي أن يضع في حسبانه تغيير الكثير من الأفكار النمطية، لاسيما هذه النظرة تجاه السلاح. فبغض النظر عن الآثار المباشرة والمميتة للسلاح، فإن الإعلاء من شأنه أو جعله أداة من أداوت الزينة التي تكتمل بها الشخصية هو امتداد لرغبات دفينة في الإعلاء من شأن الموت.
التعليقات