يصعب على المتأمل في الشأن اليمني أن يحدد ملامح تشكل مشروع واضح المعالم لأي من أطراف الصراع داخل هذا البلد الملبد بالمشكلات المتداخلة داخليا وخارجيا، حيث تتجلى فقط أدوات الصراع، ومن ثم آليات عملها وتحركها، دون وجود لأية استراتيجيات واضحة، بحيث يمكن أن تشكل ملامح مشروع معين.
وينبغي هنا التنبه إلى التفريق بين أمرين، هما المشروعية والمشروع، فالمشروع يعني أن يكون لطرف ما من الأطراف هدف و غاية، ومن ثم يسعى إلى ذلك الهدف أو الغاية عبر مسارات واضحة المعالم وخطة استراتيجية تشرح تفاصيل الانتقال من التخطيط إلى الإنجاز، أما المشروعية بالمعنى القانوني أو الأخلاقي، فتعني امتلاك الخصائص التي تجعل من مشروع ما مطابقا أو موافقا للمبادئ والقوانين والقواعد المتعارف عليها. وبهذا فإن المقال سيركز على جانب غياب المشروع لدى الأطراف المتصارعة في اليمن؛ ذلك أن تحديد المشروعية أمر آخر يحتاج إلى تعمق أدق في تفاصيل المشاريع المتصارعة أساسا، وبتعبير آخر، إن فحص المشاريع إن وجدت لدى أطراف الصراع في اليمن ستكشف عن مشروعية هذا الطرف أو ذاك، فنحن في هذه المرحلة بحاجة ماسة إلى عمل تقييم مبدأي لمختلف الأطراف المتصارعة بغيت رسم ملامح المشاريع أو نفيها تماما.
وعلى الرغم من أن الصراع في اليمن ظاهريا يبدو بين طرفين داخليين خارجيين في الوقت نفسه، فإن الوضع أعمق من ذلك بكثير وهذا ما يجعل صعوبة تحديد المشروع أكثر ضبابية، وإذا كنا غير قادرين على تحديد أطراف واضحة ومنفذة للمشاريع فإن هذا أدعى إلى إلغاء فكرة المشروع من أساسها. فالحرب الدائرة حاليا تبدو ظاهريا بين سلطة الحوثيين وحلفائهم من أنصار الرئيس السابق علي صالح التي انقلبت على حكومة عبدربه منصور هادي من جهة، ومن جهة أخرى قوات عبدربه منصور هادي وحلفائه من الإخوان المسلمين، وبمساندة ودعم قوات التحالف الخليجي بقيادة المملكة العربية السعودية. فحول هذين الكتلتين الكبيرتين وداخلهما ثمة أطراف عدة تتنازعها أهداف مختلفة، ومتشعبة، ابتداء من داخل سلطة الحوثيين وحلفائها وانتهاء بحلفاء هادي، بالإضافة إلى الأطراف الأخرى مثل الحراك الجنوبي بقواه المختلفة، وكذلك القاعدة وملحقاتها. فصعوبة تحديد ممثل لمشروع محدد يعد أول نقطة تنسف فكرة وجود مشروع.

ولكن إذا انسقنا وراء الظاهر إعلاميا فإنه يمكننا أن نحدد ملامح أطراف رئيسة لاعبة في الصراع في اليمن، ويمكننا تحديدها لأغراض توضيح غياب المشروع لديها، من حيث انعدام الرؤية التي تمكنها من تحقيق أهدافها الظاهرة بغض النظر عن مشروعية ذلك من عدمه، فلدينا الحوثيون، وصالح، والإخوان المسلمون، وهادي، الحراك الجنوبي، القاعدة. هذه بوصفها أطرافا داخلية تقف خلفها أطراف خارجية، متمثلة بالتحالف الخليجي، وإيران. فهل لطرف من هذه الأطراف مشروع معين، ماهي طبيعة ذلك المشروع؟ وهل تعمل على تحقيق ذلك وفقا لخطط واضحة ومحددة أم قائمة على العشوائية والفوضى التي تصنع المزيد من الخراب، في طريق سلب المشروعية من أساسها؟
كانت اليمن ظاهريا تسير نحو استفتاء على دستور جديد يقود البلد إلى حالة سياسية جديدة أسميت بالدولة الاتحادية، ورغم مقاطعة الكثير من القوى الفاعلة داخلها، فإن الضربة القاضية لهذه الفكرة جاءت من داخل الأطراف التي أقرت الحوار المفضي إلى ذلك الدستور، فبتواطؤ من علي عبدالله صالح وما يمتلكه من أدوات داخل الجيش اقتحم الحوثيون صنعاء وأسقطوا الرئيس والحكومة، كان الهدف المعلن هكذا: إسقاط الجرعة السعرية وتغيير الحكومة، وهكذا أصبح لمشروع الحوثيين أو ما أسموها بالثورة هدفا واضحا، بيد أن مشروعهم ضل طريقه فأسقطوا الجرعة والحكومة ولم يستطيعوا أن يقيموا حكومة أو يبقوا على الأسعار عند حد الجرعة أساسا. ثم تسارعت الانهيارات لتفضي إلى حرب شاملة، وحتى اللحظة مازال الحوثيون وحلفاؤهم يقودون المناطق المسيطر عليها بأدوات القرون الوسطى وحالة ما قبل الدولة، ناهيك عن أن هذا المشروع الذي بدا موحدا، يمتلك بذور تفتته وانشطاره في جوفه، وهكذا عند فحص هذا المكون يتكشف غياب المشروع لديه تماما، وعدم القدرة على تحديد رؤية واضحة تمكنه من السيطرة على الوضع ولو في حدوده الدنيا، وبما يعني أن ذلك الهدف المعلن كان استراتيجية فقط تخفي وراءها أهدافا أخرى، بيد أنها بكل الأحوال لا تحمل صفة المشروع.

في الجهة المقابلة تبدو الحكومة على رأسها عبدربه منصور هادي ونائبه ورئيس الوزراء خالد بحاح ومن خلفهم قوات التحالف الذي تقوده المملكة العربية السعودية، تبدو هذه الحكومة الحامل الشرعي لمشروع مواجهة التمرد الحوثي، ومن ثم فقد وضعت لنفسها هذا الهدف المسمى استعادة الشرعية، فهل استعادت الشرعية في المناطق التي انتزعتها من أيدي الحوثيين؟ وهل عملت على بسط نفوذها وإن كان بالجانب الخدمي في المناطق المحررة في الأصل؟ تحررت عدن ومناطق الجنوب قبل ثمانية أشهر ومازالت حتى اللحظة تقبع في الفوضى مما يعطي فكرة أن هناك خطأ واضح في استراتيجية الحكومة تجاه تحقيق أهدافها، ثم إن هناك مناطق شاسعة مثل مناطق ساحل حضرموت المتروكة حتى اللحظة نهبا لجماعات القاعدة وحلفائهم من المتطرفين، وهذا يبدو بصورة من الصور تواطؤا مع الإرهاب، ومن ثم يجعل علامة استفهام واسعة حول هذا المشروع الذي يضع في سلم وصوله إلى أهدافه إمكانية التواطؤ مع الإرهاب من أجل تحقيق هدف، فالمشروع الناجح هو ما كان مبنيا على أدوات ناجحة، واستراتيجيات دقيقة لا تتواطأ مع الإرهاب ولا تجعل منه أداة من أدوات صراعه مع الآخر مهما كان نبل الهدف الذي تسعى من أجله.
وتبدو لنا قوى الحراك الجنوبي طرفا أساسيا في الصراع في اليمن، بيد أنها هي الأخرى وإن وضعت لنفسها هدفا محددا وهو العودة باليمن إلى ما قبل عام 1990، فإنها قد تاهت في طرق مختلفة، وتعددت بتعدد مراحل الصراع منذ العام 2007 وحتى اللحظة، ووصلت أخيرا لتذوب نفسها في شكل الحكومة الحالية، دون وجود مسار معين يفضي بها إلى تحقيق ذلك الهدف، ناهيك عن غياب الرؤية الموحدة لقيادات هذه القوى المختلفة، ونشوء ما يشبه الشيزوفرينيا في الخطاب الموجه إلى الجمهور في الداخل تحت شعار الجنوب، والخطاب الموجه إلى الخارج تحت شعار اليمن، وهذا الازدواج في الخطاب ينشئ شرخا في صلب المشروع ويفضي به إلى مخاطر مستقبلية لا يمكن التنبؤ بمآلاتها.
يتبين من كل ما سبق أن المشاريع في اليمن تكتفي بوضع الأهداف لكنها لا تمتلك أي استراتيجيات لتحقيقها، وإن كانت لديها استراتيجيات فإنها استراتيجيات ضعيفة وغير قادرة على تحديث ذاتها، ولا تمتلك أي مقومات لقوتها وديمومتها، وهذا ما ينزع فكرة المشروع منها ومن ثم يضع علامة استفهام على مشروعيتها.
التعليقات