يستخدم المتصارعون على السلطة في اليمن كل ما في أيديهم من أوراق يستطيعون بواسطتها المضي في تنفيذ سياساتهم، وتحقيق الأهداف التي يسعون إلى تحقيقها، بيد أن أهم ورقة يتم توظيفها هي الورقة الدينية؛ حيث يكون الممسك بها قادراً على تحريكها متى شاء، منطلقاً من حصانة تمكنه من حصد المكاسب دون أن تلحقه أية مساءلة، فهو يمضي في سبيل "حماية الدين والعقيدة، وتنفيذ أوامر إلهية تسمو على رغبات الدنيا وسلطاتها الزائلة"، ومن ثم فهو مبرأ من أية أخطاء قد ترتكب، لأن له أجر المجتهد المكافأ في حال خطئه وفي حال صوابه، كما أن العامل الديني يخاطب مجموعة التابعين بوصفهم أمام خيار إلهي غير قابل إلا للتنفيذ.
أدركت سلطات "اليمن الديمقراطية" قبل وحدة 90م هذا الأمر جيداً، فعمدت إلى تحييد كل السلطات الدينية أو غيرها من السلطات النافذة لتخضع الجميع تحت سلطات نظام الدولة وقانونها، بيد أن النظام الإشتراكي حينها حوّل الفكر الإشتراكي إلى عقيدة تشبه العقيدة الدينية تماماً، فكان على الشعب أن يتبع مبادئ هذه العقيدة السياسية دون أن يعمل فكره في نقاش مضامينها، ودون أن يكون له الحق في التفكير خارج إطار الفكر الذي يسري على الجميع. لقد وضعت سلطات الدولة ورقة دينية بديلة، بمعنى أنها أبقت على البنية ذاتها وغيرت في مضمونها فقط.
في الشمال، وفي أثناء الحرب الساخنة بين الشمال والجنوب حينها على هامش الحرب الباردة بين طرفي العالم، الشيوعية والاشتراكية، تمددت "الجبهة الوطنية" في أجزاء من الشمال، وكانت ما سميت بحروب المناطق الوسطى المدعومة من اشتراكيي الجنوب، فقامت الدولة في الشمال باستقطاب المقاتلين ضد قوات الجبهة بواسطة الورقة الدينية، التي تنادي بقتالهم بوصفهم "ملحدين وكفرة"، وجهادهم فرض عين. بكل تأكيد، لم يكن النظام حينها ينظر إلى الدين ولا إلى العقيدة إلا بوصفها أداة مساعدة على القضاء على هذه الحركة التي تهدد السلطة، ومن ثم فإن الورقة الدينية هنا قد عملت على تثبيت أركان سلطات صنعاء ومدتها بعدد جديد من السنوات.
الأمر ذاته في 94م، مع الحرب التي شنها الشريك الشمالي ضد شريكه في الجنوب، فأسماها "حرب الردة والانفصال". فمن التسمية يتبين البعد الديني الذي يربط هذه الحرب بالحروب التي شنها أبو بكر الصديق بعد وفاة النبي، وهي حرب دينية ومقدسة، وهكذا ينسحب الأمر على حرب 94م التي جيَّش الشمال فيها المقاتلين ضد الشريك الجنوبي، الذي قاتله ليس بوصفه خصماً اختلف معه في السلطة وأراد التخلص منه والتفرد بها، وإنما بوصفه "مرتداً كافراً ومن ثم ملحداً وشيوعياً" ينبغي عليه أن ينتهي، فأتى نظام صنعاء بالمقاتلين، ليس من الشمال فحسب، بل أيضاً أشرك معه مقاتلين من الجنوب وسماهم بـ"المجاهدين".
نشأت الحركة الحوثية في اليمن وتمددت سياسياً وعسكرياً منذ خروجها من صعدة في أقصى الشمال تحت شعارات دينية، مدعية مقاتلة أمريكا وإسرائيل، ليس بوصفهما أعداء لليمن فحسب، ولكن بوصفهما أعداء للإسلام والمسلمين. وما زالت هذه الحركة تخوض حروبها تحت هذا الشعار الديني، وتحت تسمية عريضة تعتبر نفسها ومقاتليها "أنصار الله"، وتسمي نفسها بـ"المسيرة القرآنية"، وهي تحارب اليمن واليمنيين من المختلفين معها بوصفهم وكلاء أمريكا وإسرائيل، ومن ثم فحربها حرب دينية مشروعة. وفي الجهة المقابلة، يتحرك المقاتلون ضد هذه الحركة تحت شعار ديني أيضاً؛ فهم يعتبرون أنفسهم يقاتلون "الروافض" كما يقولون، ويصفون هذه الحركة بأنها "رافضية" مدعومة من إيران، و"الرافضة" بأنهم "أشد خطراً على الإسلام من اليهود والنصارى".
هل بالفعل الطرفان يهتمان لأمر العقيدة والدين والإسلام، أم أن هذه فقط مجرد أوراق داخل صراع سياسي ينتهي في الأخير إلى الرغبة في الاستحواذ على السلطة والمال والنفوذ؟ لا يمكن أبداً أن نشك بأن الورقة الدينية في يد محركيها مجرد ورقة تمكنهم من تحقيق عدة أشياء؛ فهي تعطيهم المسوغ القانوني والأخلاقي للتمدد، وتعطيهم مفتاحاً قوياً للدعاية يستقطب أكبر عدد من الأتباع دون نقاش ودون تردد ودون الحصول على أي مكسب مادي؛ ذلك أن المكسب المادي الذي يرجونه أكبر وأسمى من أن يكون في الدنيا، حيث يتم وعدهم بجوائز قيمة بعد الموت. كما أن هذه الورقة تحميهم من المساءلة أو المحاسبة في حالة الأخطاء، كونهم مجتهدين وكفاهم، كما يقولون، أجر المجتهد.
إن هذه الورقة الدينية تسيء إلى الدين وتضعف ثقة أتباعه به. صحيح أنها تمكن المتصارعين من تحقيق مصالح سريعة، بيد أنها أشبه بأرباح تجار المخدرات السريعة التي سرعان ما يتكشف أمرها، وقد تصير في أيدي العدالة بسرعة أيضاً. إن هذه الورقة المفخخة لم تجد لها طريقاً إلى قلوب الأتباع إلا بمساعدة الجهل الذي يتعمد صناع هذه الحروب أن يبقوهم فيه، كي يمكنهم من التحكم بهم كيف شاءوا ومتى شاءوا.
التعليقات