يأخذ الموت في المجتمع العربي بعداً أوسع وأعمق من بعده المباشر، وإن كان في حقيقته الوجودية تجلياً للغموض والفناء والاندثار. فهذه المجتمعات - سواء كان ذلك بطريقة واعية أو غير واعية - تربط بين فكرة الموت وبين الحياة ذاتها، فنجده يتخلل كل شي، ويتحكم في سلوكها ويضبط تصرفاتها، ويوجه تعابيرها. وهذا الربط المعقد بين الحياة ودلالاتها وبين الموت بوصفه ضد فكرة الحياة ذاتها يجعلنا نبحث عن مسببات هذا الربط ومحاولة كشف الطريقة التي يعمل بها، وما الهدف الذي يمكن أن يكون تسويغاً لذلك، وأخيراً ما هي النتائج المترتبة على هذا الربط الخطير بين حياة هذه المجتمعات وفكرة الموت.
تحرص بعض التيارات الدينية ورجالها على أن يركز خطابها الديني على تقديم فكرة الموت على الحياة، وجعل فكرة الموت هي الحافز الأساسي الذي ينطلق من خلاله الناس كي يحققوا غاياتهم الدنيوية؛ حيث يرون أن الموت هو الموصل إلى الحياة الأخرى، والأولى مرتبطة بهذه الحياة القصيرة الزائلة، ومن ثم فمن أراد أن يفوز بالحياة الأبدية الخالدة فعليه أن يهتم بالموت وأن ينسى فكرة الحياة وما يرتبط بها. هذا المفهوم المستعمل في الخطابات الدينية، لا يجد حقيقة ما يعززه حتى داخل الدين نفسه، ففي القرآن "ولاتنس نصيبك من الدنيا"، وفي الحديث: "إعمل لآخرتك كأنك تموت غداً، واعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً"، مما يعني الحفاظ على هذا التوازن بين فكرتي الحياة والموت، وهو التوازن الذي ينبغي بالفعل بين فكرتين تحملان ضدهما بالقدر الذي تتكاملان فيه لتحمل كل كلمة مضمون الأخرى، أي لا يمكن أن توجد الحياة لولا وجود الموت.
ويوظف السياسيون فكرة الموت لصالحهم، مستغلين العاطفة الوطنية، إذ تواجهنا هنا المقولة الشهيرة: "نموت ويحيا الوطن". فمن نحن؟ الشعب، إذاً يموت الشعب ليحيا الوطن، والوطن هنا متركز في يد السلطة الحاكمة ورمز السلطة فيها كالرئيس أو الزعيم، ليكون المعنى الأكثر وضوحاً: نموت ويحيا الزعيم. فيتم تكريس الموت بصورة كبيرة، ليغدو الموت سمة من سمات الرجل الوطني، إذ عليه إذا أراد أن يكون وطنياً أن يقبل فكرة الموت من أجل الوطن، ولكن ماذا سيظل من الوطن لو مات كل الشعب؟
عن اليمن هنا، نجد أن المشكلة تحولت إلى العقل الباطن للتفكير الجمعي، وتحول الموت من طور التوظيف السياسي والديني إلى مرحلة أخرى تحكم سلوك الجميع. فالمناسبات الوطنية على سبيل المثال مرتبطة بالحروب والثورات والانقلابات ومختلف مناسبات الصراعات الدخلية، ولا يوجد ولا مناسبة واحدة للحياة والخير والجمال والفرح كما هي عند شعوب العالم: أعياد الربيع، أعياد الخصب، أعياد التسامح. وهذا التقديس الأعمى للموت، جعل من الحياة امتداداً لفكرة الموت وتجسيداً حياً له.
بمناسبة مرور عامين على بداية "عاصفة الحزم" التي أعلنتها السعودية عبر "التحالف" الذي تقوده لإعادة الشرعية في اليمن، يحشد علي عبد الله صالح والحوثي مناصريهما إلى ميدان السبعين، ليتم تحويل مناسبة الموت إلى مناسبة وطنية، تتحول مع الزمن إلى عيد وطني يتم فيه الرقص والغناء وربما تبادل التهاني. في يوم للحرب والموت، تعمل هذه الإستراتيجية المميتة على تحويل ذاكرة الموت إلى الإحتفال، والاستمرار في الحياة تحت هدي الموت. يأتون ليحتفلون بيوم العدوان الذي جاءهم من الخارج، والموت القادم من خارج الحدود، متناسين أنهم في الأصل من صنع الحرب في الداخل، وهم من وصلوا بآلات الموت إلى عدن قبل أن تأتي العاصفة السعودية، فهم من جلب الموت داخلياً ومن ثم خارجياً. سيحتفلون بالموت بوصف الإحتفال هنا مناسبة سياسية لإظهار القوة، وفي المستقبل سيتم تحويل هذه المناسبة إلى جزء من الحياة.
التعليقات