كان الجوع في اليمن جزءاً من المشكلة وظاهرة من ظواهرها العديدة التي تبدأ بسوء الأحوال المعيشية، وتدهور الإقتصاد، وانتشار البطالة، وضعف الأمن، وفساد أجهزة الدولة الإدارية، وتفشي الأمية، وانتشار الجريمة المنظمة والفردية، وغيرها. هكذا كانت اليمن منذ عقود، وهذه المشكلات تصنع أرقاماً قياسية ووتشهد تصاعداً حاداً في مستوياتها، حتى جاءت الحرب لتحول المجاعة من مظهر وحيد إلى مظهر بارز ومسيطر على كل شيء. وبحسب أرقام الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، فإن أكثر من 17 مليون إنسان مهددون بالجوع، وهو رقم مهول يعادل أكثر من 70% من اليمنيين. لقد نمت هذه الظاهرة وصارت بفعل الحرب هي أم المشكلات التي قد تفرز مشكلات رهيبة لا يمكن التنبؤ بمداها وتأثيرها على المجتمع والإقليم والعالم.
لم يكن اليمن بعيداً جداً عن ظاهرة الجوع، فقد بدأت تستفحل مع استفحال الأزمات الإقتصادية، ولكن الجوع خلال سنتين من الحرب تحول من ظاهرة جزئية إلى حاضنة لكل ما عداها من الظواهر. الجوع هو المولود غير الشرعي لهذه الحرب، التي تحولت فيها أقوات المواطنين إلى سلاح بيد المتقاتلين، والتي دمرت بيئة الحركة الإقتصادية وجعلت الأرض صالحة للموت فقط.
لقد حرص النظام السابق على الإحتفاظ بالجوع بوصفه سلاحاً استراتيجياً للسيطرة على الشعب، وإبقائه في إطار الحاجة لهذه السلطة وهذا النظام حتى يشبع احتياجاته الأساسية. لقد كان الجوع مع الجهل أدوات حماية النظام. ليس ذلك فحسب بل أيضاً أداة مناسبة لجلب المساعدات الدولية والبحث عن مصالح خاصة بالنظام وزبانيته على حساب المجاعة. فإبقاء الشعب اليمني فقيراً كان هدفاً أساسياً، ومن أولويات تلك الأنظمة أن تبقي هذا الشعب فقيراً ومحتاجاً، كي تبقى سلطاتها وكي تبقى المساعدات الدولية باسم الشعب لتذهب إلى جيوب الفاسدين.
لا يحتاج المتأمل إلى دليل الآن ليكتشف حجم هذا الجوع الذي لم يعد يستهدف الطبقة الكادحة والفقيرة والمعدمة، بل وصل ليقضي على الطبقة المتوسطة تماماً، وهي من فئة الموظفين الذي يقضون الآن شهرهم الخامس بدون مرتبات، والموظفين في القطاع الخاص الذين فقدوا أعمالهم، بل وبدأ الجوع يصل إلى الفئة التي كانت تملك أعمالاً تجارية بعد أن قضت هذه الحرب على أعمالهم وحولتهم إلى معدمين لا يملكون شيئاً. والسؤال هنا هو عن خطورة هذه المجاعة وما الذي يمكن أن تتسبب به في المستقبل. فإذا كانت الحرب هي سبب هذا الجوع، فإن الجوع سيكون مفتاحاً لمشكلات أخرى لا يمكن التنبؤ بها أو بمستوى خطورتها على المجتمع في اليمن وعلى محيطه الإقليمي وعلى المستوى العالمي، حيث موقع اليمن على خط الملاحة الدولي يهدد بحصول مشكلات لا تُحمد عقباها.
قد تتحول جرائم فردية مثل السرقة والقتل والاختطاف والسطو وغيرها إلى مزاح، حيث سيعمل الجوع الجماعي على تشكيل عصابات احترافية تمتهن كل هذه الجرائم وبشكل منظم وتحت مبرر يخترعه الجائعون لحماية أنفسهم من الهلاك. قد يتحول منفذ مثل باب المندب إلى مكان ساخن لعصابات قراصنة كما كان الحال في الصومال. قد تتحول الحدود مع عمان والسعودية إلى مناطق تهريب كل مباح وممنوع وتحت ستار الحفاظ على النفس من المجاعة.
وهنا يأتي سؤال أهم، من هو المسؤول عن محاربة هذا الجوع؟ هل هم المتحاربون الأساسيون في الداخل اليمني الذين هم في الأساس منتجو الجوع على مدار السنوات الماضية؟ أم هو الإقليم المحيط الذي ترك اليمن يتدهور تدريجياً أمام أعينهم ليصل إلى هذه المرحلة الحرجة؟ أم هي مسؤولية العالم والمجتمع الدولي الذي يبحث عن مصالح الكبار ويهمل هذه البقعة المكتظة بالبشر وبالكثير من الفساد والجوع؟
إن محاولة الإجابة عن الأسئلة الماضية هو المفتاح للوصول إلى حلول ملائمة لهذه الكارثة. فإيقاف الحرب هو أهم ما في الأمر، حيث ينبغي لها أن تضع أوزارها كي تنتهي الأرضية التي يبني عليها الجوع أساساته. يتبع ذلك تكاتف محلي وإقليمي ودولي لوضع حلول عاجلة ومعقولة تضمن تدمير أسس الجوع وأسبابه، قبل أن تعمل على معاجلة أعراضه.
التعليقات