ماذا يساوي البشر وأفكارهم ووجودهم المادي والمعنوي بكل تاريخهم أمام هذا الكون الواسع، حيث لا تشكل المجرة، التي تتكون من مليارات النجوم والتي تدور حولها مليارات الكواكب، إلا نقطة صغيرة؟ هل ساءل البعض أنفسهم ماذا يشكلون في هذا الوجود؟ أعتقد أنهم لو وقفوا ملياً أمام هذا السؤال فإنهم سيصحون على إجابة قاتمة تهزّ أعماقهم، أولئك الذين لا يرون في الوجود إلا هم، ويحجرون هذا الواسع ليصنعوه على مقاسات أفكارهم، ويحكمون على العالم من زواياهم القاتمة والمظلمة وغير المرئية في هذا الوجود المتجدد الإتساع. ومثلما يتسع الوجود مادياً، فهو متسع باعتقاداته وأفكاره وتاريخه وزمنه ماضياً ومستقبلاً، فكيف لمن يحمل فكراً معيناً أن يحكم على الآخرين من خلال فكره هو، ومعتقده هو، ويقينه هو، ومن ثم يحمل الآخرين على أنهم الضلال وهو وحده السائر في درب الهدى؟!
الفكر الحقيقي، ومنه الأفكار الدينية في أساسها، لا يحجر هذا الواسع، ولا يضيقه على نفسه. فلو كانت الديانات ضيقة إلى هذا الحد لما وجدت لها أتباعاً جدد. الدين الذي يسعى إلى الوصول إلى الحقيقة واليقين عبر إقناع أتباعه بالحجة والبيان، والكلمة الطيبة والموعظة الحسنة، لا يمكن أن يضيق به الأفق ليتقوقع على أتباعه ويحكم على الآخرين خارج أسواره بالهلاك. إذا كان الدين، كما في أدبياته، يسعى إلى صلاح البشر، فكيف بنا أن ندعو فقط لأتباع هذا الدين، أليس من هم خارجه أتباعاً محتملين في ظل الدعوة؟
أستمع كل يوم إلى دعوات يأتي بعضها من كتاب ومثقفين وذوي درجات وشهادات عليا، وهم يدعون بالخير والأمان للمسلمين وبلادهم، فيحصرون الخير المرتجى في أذهانهم بهذه البلدان فقط، وبالمسلمين فقط! لست أدري لو كان الخير في أيديهم والأمان في أيديهم، هل كانوا سيعطونه فقط هذه البلدان وهؤلاء السكان فقط؟ وماذا عن الناس في بقية العالم؟ كيف تقصر نظرتهم إلى هذا الحد الذي لايرون فيه إلا هذه النقطة الضيقة فقط؟ وبأي فكرة ينطلق هؤلاء الناس الذين لا يرون الخير ولا الأمان ولا الطمأنينة إلا لفئة معينة من البشر؟
في الحقيقة، إن من ينظر بضيق بهذه الصورة لن يكتفي بحضور المسلمين فقط، ستجده بعد ذلك يدعو لأهل بلاد معينة، ثم يدعو لطائفة معينة، ثم لأسرة معينة، وفي الأخير لن يجد إلا نفسه مستحقاً للخير والأمان والطمأنينة. إن من يسعى للبحث عن الخير والأمان والرخاء لفئة معينة، مهما كان حجم الفئة، فقد تعامل مع الأمر بانتقاء وجزئية وضيق. ضيقٌ يتجاوز فضاءات الأمل والخير بوصفه اتساعاً لا يمكن أن يحده أفق.
نسأل أنفسنا أخيراً: من المسؤول عن هذا التضييق في أفق الرؤية للآخر؟ هناك خلل ما تراكم عبر السنوات دون أن ينتبه إليه أحد. خلل تربوي، وديني، ومعرفي، مبني على الأنانية، يسعى للبحث عن الخير للذات فقط، والعداء للآخر بوصفه مختلفاً عنا، في اللون أو العرق أو الدين أو المكان. وما دام هذا التضييق كامناً في لا وعينا، وتسرب إلى كتابات واعتقادات من يجب أن تكون النخبة، فإن هذه الأنانية تتحول إلى لعنة تشقق بنية المجتمعات التي تعيش بهذا الإعتقاد من داخلها، ولا تؤثر مطلقاً على من يعيشون خارج هذا الفضاء الذي يدعون عليه بالويل والثبور، فيما يدعون لأنفسهم بالصلاح والأمان والاطمئنان.
التعليقات