الإرهاب ليس مجرد جريمة منظمة فحسب، بل جريمة قائمة على عقيدة تدفع صاحبها لارتكابها بكامل الرضا والقناعة والاطمئنان إلى أنه يقوم بالعمل الصحيح. وهذه القناعة لم تأت من تلقاء نفسها، بل عبر برامج وقواعد موجهة تحفز المستهدف لأن يصبح إرهابياً يرى في غيره بشراً لا يستحقون الحياة. من هنا، تأتي أهمية أن تُصمّم برامج مواجهة تعمل على إصلاح ضحايا البرامج الإرهابية، الذين وقعوا أسرى لتلك الأفكار، والعمل على إعادتهم بشراً صالحين. هناك تجارب في البلدان العربية من هذا الجانب، ولكنها لا تعدو كونها محاولات، وبواسطة رجال دين، نحو ما يسمى الحوار مع المتطرفين، لإقناعهم بالعودة عن أفكارهم، وهذه الحوارات لا تملك برامج ولا خططاً ولا آليات واضحة، مما يجعلها فاقدة القدرة على العمل الفعال والتأثير المطلوب في المستهدفين.
لقد قام فريق سويدي بتصميم برنامج تعليمي يستهدف بعض المتطرفين العائدين من مناطق الصراع في الشرق الأوسط أو في مناطق أخرى، كما أنه لا يستهدف الواقعين تحت تحت تأثير الإسلاميين المتطرفين، بل أيضاً يمينيين ويساريين أيضاً، فهو برنامج شامل يعمل وفق خطط واستراتيجيات أكاديمية فعالة تهدف إلى إعادة هؤلاء الناس بشراً أسوياء فاعلين في المجتمع. هذا الفريق يشارك فيه كل من دان إيريك، الأستاذ المحاضر في مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة لوند، وآندرياس، طالب دكتوراه وباحث في المركز ومتخصص في الدراسات الدينية، وكرستينا روبرتسون، منسقة الدراسات في المركز. ونظراً لأهمية هذا الموضوع، أقدمت على ترجمته من مجلة جامعة لوند، وتقديمه للقارئ العربي، لعلنا سنجد من يهتدي بهذه الفكرة للتعامل مع التطرف في العالم العربي، وفق قواعد علمية وأكاديمية تواجه الفكر بالفكر والبرنامج بالبرنامج.
كيف علينا أن نتعامل مع هؤلاء الناس العائدين من الجماعات الإرهابية، ليس فقط هؤلاء الذي يسافرون إلى «داعش»، ولكن أيضاً أولئك الذين ينضمون للجماعات اليمينية في أوكرانيا على سبيل المثال؟ هذا أمر حاسم في سلامتنا كما يقول دان إيريك، أحد الذين صمموا برنامجاً وطنياً للتعامل مع التطرف العنيف، حيث يؤكد أنه ينبغي على السويد عمل كل شيء من أجل منع الجرائم الإرهابية ومعاقبة مرتكبيها، لكن بالنسبة لهؤلاء الذين لا يوجد عليهم شبهات إرهاب، فإن لهم الحقوق نفسها، مثل بقية المجتمع.
في 21 أبريل 2016، اعتمدت السويد قوانين أكثر صرامة، وأصبح السفر إلى الجماعات الإرهابية أو الإشتراك في التدريب جريمة جنائية، كما أصبحت التشريعات المتعلقة بتمويل الإرهاب أكثر صرامة. وفي نهاية العام الماضي، كان عدد قليل من الناس قد التحقوا بالجماعات الإرهابية، وأغلب الـ300 سويدي كانوا قد التحقوا بتلك الجماعات قبل أن يتغير القانون، وقد حصلت الكثير من النقاشات حول كيف يمكن أن يتعامل معهم المجتمع حال عودتهم من تلك الجماعات، بحسب كلام دان وأندرياس.
دان إيريك يعمل أستاذاً محاضراً في مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة لوند. صمم إريك مع آندرياس، طالب الدكتوراه، وتينا روبنسون، منسقة الدراسات في المركز، هذا الكورس أو هذا البرنامج للتعامل مع العائدين من جماعات العنف المتطرفة. وفي وقت سابق، تلقت وزيرة الثقافة والديمقراطية، أليس باه كوهنك، انتقاداً قاسياً على عدم فعلها ما يكفي لمواجهة عنف المتطرفين فكرياً وثقافياً، ويمكن تفسير ذلك جزئياً بعدم وجود مقاربات دقيقة قائمة على الأدلة لمواجهة المشكلة، كما يقول دان إيريك - أندرياس. ومع ذلك، قدمت الوزيرة طريقة النقاش في مدينة لوند التي كانت تتعامل مع مراهق يبلغ من العمر 17 عاماً وكان قد عاد من تنظيم «الدولة الإسلامية». ويعتقد دان إريك - آندرياس أيضاً أنه مثال جيد على التعاون الفعال بين الشرطة والخدمات الإجتماعية.
ولكن، بعد أن قامت الشرطة والسلطات القضائية بواجبهم، قرر منسق البلدية أن قانون الخدمات الإجتماعية ينطبق عليه، وأن الطفل البالغ من العمر 17 عاماً ينبغي أن يحصل على نفس الرعاية الصحية والحقوق التي يحصل عليها أي شخص آخر، وقد تبعت هذا الأمر احتجاجات قوية، ولا تزال القضية تُطرح على سبيل السخرية على التلفزيون الروسي، كدليل على السذاجة السويدية في التراخي وعدم التعامل الجاد مع الأمر، كما يقول دان إيريك وآندرياس، اللذين أوضحا أن العمل ضد التطرف العنيف يجب أن يتم على عدة مستويات في نفس الوقت.
يتفق الجميع على أننا يجب أن نكون شوكة ضد أي شخص يغادر للانضمام إلى «داعش»، على سبيل المثال. و يجب علينا أن نستثمر قدراً كبيراً من الموارد حتى يتسنى للشرطة والمدعين العامين والخبراء القيام بعملهم حيال هذا الأمر، وبطبيعة الحال، يعاقب أولئك الذين يرتكبون الجرائم. ربما يجب تغيير القانون، أو ربما يجب أن نفعل كما في بلجيكا، حيث أن مجرد مغادرة البلاد للذهاب إلى «داعش» جريمة. في الوقت نفسه، ينبغي على المجتمع أن يحمي نفسه من خلال منع المزيد من التطرف هنا والآن، ومن خلال التعامل الجاد مع أولئك الذين تركوا هذه البيئات العنيفة، والذين لم يرتكبوا جرائم، ويحتاجون إلى إعادة الإندماج في المجتمع. القيام بهذا الأمر يصب في مصلحة الجميع.
حقائق عن البرنامج:
البرنامج التعليمي: «التطرف العنيف في السويد - الفرد والمجتمع والأيديولوجية والممارسة»، يُقدّم من جامعة لوند لمدة عشرين أسبوعاً، من أبريل إلى أكتوبر. الممول هو «المنسق الوطني لحماية الديمقراطية ضد التطرف العنيف». يدرّس في هذه الدورة خبراء سويديون رائدون في هذا المجال، بالإضافة إلى الباحثين في جامعة لوند، وبمشاركة ماتياس غارديل، من جامعة أوبسالا، وكريستر ماتسون، من جامعة جوتنبرج، والذي يحاضر حول مساعد العائدين من بيئات متطرفة يمينية، وهانس برون وماغنوس رانستورب، الخبيران في مجال الإرهاب في جامعة الدفاع السويدية، وليزا كاتي، من وكالة أبحاث الدفاع السويدية، التي تدرس أهمية الإنترنت للتطرف العنيف.
وتجري الدورة أساساً كالتعلم عن بعد، ولكنها تشمل أيضاً تسعة أيام كاملة في ستوكهولم. يتم، كل أسبوع، إرسال بريد إلكتروني مع موضوع الأسبوع، وتحتوي الرسالة الإلكترونية أيضاً على نصوص ومقالات وأشرطة فيديو وعروض شرائح، وما مجموعه أربعة عشر تسجيلاً صوتياً تم إنتاجها خصيصاً لهذه الدورة من قبل الصحافي الإذاعي، لارس موغنسن.

* مترجم عن مجلة جامعة لوند، أعدته: بريتا كولبيرج.
التعليقات