يثير قرار حكومة الرئيس عبد ربه منصور هادي تحرير سعر صرف الريال اليمني الكثير من المخاوف. إذ يخشى المواطنون من أن يؤدي القرار إلى وضعهم تحت رحمة السوق السوداء، التي تعاظم نفوذها أصلاً خلال الحرب التي دخلت عامها الثالث. فما الذي يقوله الخبراء الإقتصاديون في هذا القرار، الذي يلي قراراً «كارثياً» آخر تمثل في نقل البنك المركزي، من قبل حكومة عاجزة عن بسط سيطرتها على مكتبها؟ الخبير الإقتصادي، أستاذ الإقتصاد في جامعة عدن، الدكتور يوسف سعيد، يحدثنا، في الحوار التالي مع «العربي»، عن المغزي من ذلك القرار، وتداعياتها على الوضع الإقتصادي في اليمن.
بداية، حبذا لو نوضح للقراء معنى تعويم العملة، ومن يملك الحق في مثل هذا الإجراء؟

سعر الصرف هو جزء من السياسة النقدية التي يتبعها البنك المركزي، وهو الأسلوب الذي تتبعه الدول في إدارة ثروتها من النقد الأجنبي. وهناك سعران للصرف: سعر الصرف الثابت، يقابله سعر الصرف المرن أو المعوم. وتحت مفهوم سعر الصرف المعوم هناك سعر الصرف المعوم المدار الذي يتدخل البنك المركزي للتأثير عليه بشكل طفيف، وسعر الصرف المعوم الحر. والبنك المركزي كسلطة نقدية هو الذي يختار أياً من نظامي سعر الصرف يتبع، سواء سعر الصرف الثابت أو سعر الصرف المرن (المعوم) الذي يستجيب للوضع الإقتصادي، فلا شيء مقدساً إذاً.
ما قام به البنك المركزي اليمني هو أنه قرر تعويم سعر صرف، ويبدو أن المقصود التعويم الحر أو التعويم الكامل، لأن سعر الصرف في واقع الأمر معوم منذ عام 1996، ولكنه كان تعويماً مداراً، بمعنى أن البنك المركزي كان يحدد سعراً تأشيرياً لوحدات النقد المحلي مقابل الدولار. وعندما يتحرك كثيراً سعر الصرف عن السعر التأشيري نتيجة لزيادة الطلب على الدولار، يتدخل البنك المركزي لبيع جزء من احتياطياته الأجنبية للسوق من أجل استقرار سعر الصرف وتهدئة الطلب على الدولار. طبعاً، لا يكتفي البنك المركزي للحفاظ على سعر صرف مستقر فقط بالتدخل في سوق النقد الأجنبي، ولكن أيضاً من خلال استخدام أدواته النقدية المختلفة، حيث يظل الحفاظ على قيمة الريال ومواجهة التضخم من الأهمية بمكان للحفاظ على القوة الشرائية للعملة.
هل ما قامت به حكومة الرئيس عبد ربه منصور هادي من إجراء اقتصادي بهذا الحجم مطابق للشروط الإقتصادية؟ وما هي المخاطر المحتملة نتيجة لهذا القرار؟
بدءاً من يوم الثلاثاء، قرر البنك المركزي اليمني التعويم الكامل لسعر الصرف (التعويم الحر)، وهو بهذا القرار ينأى بنفسه عن التدخل في سوق الصرف، وجعل عوامل السوق هي المحدد لسعر الصرف. هذا القرار جاء بسبب عدم قدرة البنك المركزي على الدفاع عن سعر معين للدولار، وهو ناتج من عدم توفر احتياطيات نقدية لديه من العملات الأجنبية من ناحية، وعدم إمكانية الإستمرار في اتباع سياسة سعر الصرف المدار في ظل فجوة الموارد من النقد الأجنبي. والبنك المركزي اتخذ هذا القرار كما يبدو لفقدانه الحيلة، فهو لم يستطع منذ انتقاله إلى عدن استخدام أدواته النقدية للحفاظ على الإستقرار. لكن هذا القرار لن يؤدي إلى تحقيق استقرار نسبي في سعر صرف الريال والحفاظ على قيمة العملة، بسبب البيئة المضطربة في ظل الحرب، وتعطل جزء كبير من النشاط الإقتصادي. كان يمكن أن يقرر المركزي تعويم سعر الصرف كجزء من سياسة إصلاح مدعومة من صندوق النقد الدولي والبنك الدوليين، لمواجهة آثار تعويم سعر الصرف في ارتفاع المستوى العام للأسعار، (لكن بهذه الطريقة) سيزيد القرار من أجواء عدم اليقين، ويرفع بالتالي من منسوب المضاربة على الدولار، خاصة اذا ارتفعت أيضاً بفعل التعويم أسعار الجمارك.
ماذا سيجني الإقتصاد الحكومي من هذا الإجراء؟ وما الآثار الإيجابية التي تتوقعها الحكومة؟ وما وجهة نظرك كمحلل اقتصادي؟
العائد الإيجابي لهذا القرار على الحكومة هو التحرر جزئياً من التزاماتها تجاه الفعاليات الإقتصادية، وربما تقليل قيمة حجم الدين العام المحلي مقوماً بأسعار الصرف المعومة، كما سيؤدي التعويم إلى انعاش العمل في البنوك التجارية والإسلامية التي قيدت في الفترة الماضية بسبب تحديد سعر العملة، وأدى ذلك إلى انصراف الناس بسبب الفارق الكبير بين سعر البنك المركزي وسعر السوق الذي عمل على أن تستحوذ شركات الصرافة، والتي لم تلتزم بسعر البنك المركزي، على العملة، لرغبة الناس بالتعامل معها سواء بالصرافة أو بالتحويل عبرها للحصول على الفارق، وهو ما لم تستطيع البنوك الخاصة أن تقوم به في الفتره الماضية، هذا يمكن أن يكون الجانب الإيجابي الوحيد. ويعتقد البنك المركزي أنه بهذا القرار يمكن أن يتراجع سعر الصرف، وهو احتمال غير واقعي من وجهة نظري، لأن المجتمع بفعالياته الإقتصادية سيراجع ثقته بالبنك المركزي، وبالتالي ستتراجع ثقته بالعملة المحلية، وهو الأمر الذي يفسح المجال بصورة أكبر لدولرة الإقتصاد، حيث أن تراجع الثقة بالريال يعني أنه سيفقد وظيفته تدريجياً كمخزن للقيمة، لذلك يلجأ الناس إلى المضاربة على الدولار، ليس فقط لمواجهة إنجاز التعاقدات في ما بينهم، ولكن أيضاً للاحتفاظ بثرواتهم من خلال الدولار وأصول أخرى.
من وجهة نظرك، ما دور هذا الإجراء في الصراع المسلح الحالي؟ وهل يمثل هذا القرار الإقتصادي جزءاً منه؟
ربما لهذا القرار علاقة بالصراع، خاصة لناحية التأثير على ارتفاع تكلفة الإستيراد إذا اعتبرنا أن الكتلة الإقتصادية موجودة في الشمال، لكن الأثر السلبي لا يذهب انتقائياً لطرف دون أن يؤثر على الطرف الآخر. ومع ذلك، في الواقع القائم، لا أعتقد أن البنك المركزي في صنعاء سيقبل بهذا القرار.
في ظل الإنقسام الحالي، كيف يمكن لحكومة صنعاء أن تلتزم بقرار اقتصادي لحكومة عدن؟
البنك المركزي في صنعاء هو الآخر لا يستطيع أن يفعل شيئاً، وسيواصل الرفض السياسي. فلا يوجد بيده أي شيء يعمله غير ذلك. المفارقة أن كلا الطرفين فقدا إمكانية أن يقود ما بدور مؤثر.
التعليقات