السلام، كفكرة، يتعدّى قضية وقف القتال، إلى مسائل أعمق تتعلّق بالسلام الإجتماعي والنفسي والإقتصادي؛ ليتحقّق في المجتمع الشعور بالأمان، إزاء كل هذه العناصر بصورة متكاملة، فتتحقق -إثر ذلك- التنمية والسعادة لكلّ أفراده. ويبدو السلام في اليمن حاليّاً -كونه في أدنى مستوياته- مطلباً لوقف إطلاق النار بين الأطراف المتصارعة على الساحة، والمسيطرة على الأرض، بحسب شروط القوّة ومتطلّباتها، ومن هنا تبدو المشاورات الحالية في الكويت بين تلك الأطراف ضرورة أوّلية، لوقف نزف الدم المستمرّ منذ أكثر من عام. بيد أنه ينبغي الإدراك أن هذه العملية، وإن أنجزها حوار الكويت، فإنها مجرّد خطوة فقط في طريق السلام؛ فالسلام، وإن كان أيضاً بصورته الأوّلية، لا يمكن أن يكون نتاجاً لتلك الحوارات، التي تبيّن معطياتها أن أطرافها هم ذاتهم صنّاع حروب اليمن على مدى العقود السابقة، ناهيك عن أن الحوار ذاته يفتقد عناصر قوّة أخرى تسيطر على مناطق مختلفة، خارج إطار الصراع المركزي في اليمن.
في كلّ الأحوال وأحسنها، تبدو هذه الحوارات سائرة إلى توقيع هدنة على طريق مشوار الحرب الدائمة، والسلام الذي ستفضي إليه ليس أكثر من حالة استراحة متحاربين لا يمتلكون الشروط الأساسية لصنع السلام، فهم ينطلقون، في صراعهم ذاك، من منظورهم الرامي إلى البحث عن مصالحهم الذاتية، بعيداً عن أيّ فكرة تستهدف الصالح العام، ولكن هذا لا يقلّل من أهمّية هذه المشاورات بوصفها الخطوة الأوّلية لوقف الحرب. إيقاف الحرب هنا، هو الخطوة الأولى لصنع السلام، الذي يبدو طريقه معبّداً بالمصاعب، التي تشتبك على مستويات مختلفة عموديّاً وأفقيّاً، وبتشابكات داخلية وخارجية واجتماعية وسياسية.
إن أهمّ ما يهدّد صنع السلام في اليمن هو تعدّد أطراف الصراع، على مستويات مختلفة؛ من المستوى الظاهر والجلي، الذي تبدو فيه الأطراف الداخلية هي الفاعلة، إلى المستوى المتخفّي، والمتمثّل بصراع المصالح الخارجية. فللصراع مرجعيّات مختلفة، منها ما هو سياسي، ومنها ما هو أعمق بمرجعيّاته الإجتماعية القائمة على نزعة التسلّط لفئة من المجتمع، وجدت نفسها في لحظة معيّنة فاقدة لهذه السلطة، فتحاول استعادتها بشتّى الطرق المشروعة وغير المشروعة، والأخطر من هذا كله هو الصراع بخلفيّاته الدينية التي تغذّيها صراعات خارجية، وجدت اليمن، في ظلّ كل هذه الظروف، مرتعاً خصباً لتغذيتها. كما أن هناك الكثير من العراقيل الأخرى التي تختلف في حجمها، وطريقة ظهورها، وأساليب تأثيرها على السلام في المجتمع. وإذا أردنا بالفعل الوصول إلى سلام دائم وشامل وجادّ في اليمن، علينا أن نبحث عن أصل المشكلة من أجل معالجتها وتجاوزها، وتحصين المجتمع من الوقوع فيها أو مثلها مرّة أخرى.

إن أهمّ عنصر في تغذّي الصراع في اليمن يتمثّل في مصادرة إرادة الشعب، وهذه المصادرة ليست جديدة ولا وليدة اللحظة بل آخذة بالتراكم عبر التاريخ، حيث تحالف الديني مع القبلي مع السياسي لتشكيل سلطة قاهرة تتجاوز رغبة الشعب، ونصّبت نفسها حاكمة عليه ووكيلة له في الوقت نفسه، ففي شمال اليمن تشكّلت مجموعة مصالح مشتركة من هذه المكوّنات الثلاثة لتظهر ما يشبه النخبة الحاكمة المسيطرة على مقاليد السلطة والحكم، وظلّت تتنازع السلطة وتتصارع عليها، في الوقت الذي يمثّل فيه الشعب الساحة التي تتصارع فيها وعليها تلك القوى الحاكمة، مؤدّياً دور المغدور به دائماً.
وفي حين يعمل التراكم التاريخي على تغذية وقود الصراع داخل تلك الجماعات، تتعمّق، في جهة مقابلة، الشروخ داخل المجتمع، وتزداد تفكّكاً مع زيادة رصيد تلك الجماعات من الثروة والنفوذ والسيطرة. لقد صودرت الإرادة الشعبية على مدى سنوات متعاقبة ربما تمتدّ لآلاف السنوات، لم يعرف الشعب غير السمع والطاعة والتبعية لنخبه المفروضة عليه دون أن يكون له الحق في مناقشة ذلك، أو الإعتراض، أو إبداء الرأي، إلّا في الحدود التي يرسمها له الرئيس أو القائد أو الشيخ. وفي الجنوب أيضاً، صودرت إرادة الشعب، وإن كان في سنوات سابقة للعام تسعين، في سبيل إرادة الدولة، وقد أدّت هذه المصادرة القسرية إلى نشوء اختلال ما بعد دولة الوحدة، التي أدّت، في الأخير، إلى وصول السلطة والثروة والنفوذ من أيدي النخبة الحاكمة التي كانت تشكّل الدولة في الجنوب، إلى يد مثلّث النفوذ في الشمال.
يعيش اليمن الموحّد، منذ العام تسعين وحتّى اللحظة، حالة من تركّز الثروة والسلطة والنفوذ في أيدي المتنفّذين، دون أن يكون هناك للشعب أيّة سلطة، حتّى ثورة الشباب في 2011 ما فتئت أن التفّت عليها قوى النفوذ؛ وصادرت الثورة من الشباب الممثّل لإرادة الشعب والتحرّر من سطوة تلك القوى، فالتفّت عليها وحوّلتها من صراع بين الشعب والنخبة المتسلّطة عليه، إلى صراع بين قوى النفوذ ذاتها، وحتّى ما يسمّى مؤتمر الحوار الوطني كان عبارة عن حوار بين قوى النفوذ خارج إرادة الشعب أو رغبته، فكانت النتيجة محسومة لصالح الحرب لا لصالح السلام.
يبدو أن الحلول الآن تمضي في سبيل تنفيذ مخرجات الحوار الوطني بقوّة الأمر الواقع، هذا ما يبدو عليه المشهد الحالي، إذ ترتسم، راهناً، ملامح أقاليم بقوى عسكرية مدعومة خارجيّاً، باتت تشكّل نواة دول داخل الدولة، ففي عدن تتجمّع تلك القوى لتكوّن ما يسمّى إقليم عدن، وفي حضرموت كذلك، في تعز وتلك المناطق التي ماتزال تشهد صراعاً، والتي لا يمكن أن تمضي إلّا على هذا الخطّ المرسوم لتشكيل أقاليم اليمن الجديد، والسؤال هنا هو عن إرادة الشعب سواء في تلك الأقاليم التي بدأت ملامحها بالتشكّل أو خارجها، هل هم موافقون عليها؟ أم أنهم يتعرّضون للمرّة الألف إلى تجارب ترسمها لهم نخب، لا تنتمي نفسيّةً ولا قضيةً إلى روح هذا الشعب؟
يمكن القول أخيراً إن أيّ خطوة قد تنجح في سبيل إقامة سلام مؤقّت، أمّا السلام الدائم والشامل والعادل فينبغي أن ينطلق من عمق الشعب، ومن احترام إرادته الحقيقية المستقلّة البعيدة عن أيّ تأثير مادي أو معنوي، فمتى ما تسنّى لهذا الشعب في كلّ مكان أن يقرّر مصيره، ويختار الأصلح له، فسيكون هو المسؤول الأول والأخير عن مستقبله، ومن ثمّ لا يمكنه إلّا أن يختار الخيار الأقرب إلى الحقّ، ولا يمكن لمن اعتادوا، على مدى السنوات، الظلم والفساد والإفساد إلّا أن يختاروا الخيار الأقرب إلى مصالحهم الضيّقة.
من هنا، فإن طريق السلام يبدأ من احترام إرادة الناس، قبل احترام إرادة المتحاربين المغتصبين إرادة الشعب المكلوم.
التعليقات