عدن ليست مكاناً فحسب، بل إنّها ذاكرة للتاريخ والفنّ والثقافة، مختزلة في جغرافيا استثنائية. مدينة ولدت حاضنةً للبحرين الأحمر والعربي. مدينة، منذ فجر التاريخ، حاملة للتعايش والتنوّع والتعدّد، وهي، بذلك، قد أسَّست لها هويّتها الخاصّة العابرة لكلّ الهويات؛ فقد كانت، عبر العصور حتّى العصر الحديث، مدينة ولّادة لأوّل صحيفة في الجزيرة العربية، وأوّل سينما، وأوّل تلفزيون، وأوّل إذاعة، وأوّل معهد موسيقي، وأّول ناد رياضي، بل وأوّل نشاط مدني حزبي وثقافي. وإذا تمّ السؤال عن أوّل مدنية مدينة في الجزيرة العربية -بالمفهوم الحديث للمدنية- لا يمكن أن تكون غير عدن.
لا يمكن لمدينة أخرى أن تنازع عدن مدنيّتها، كما لا يمكن أن تكون هناك مدينة أخرى استطاعت أن تذوِّب الثقافات المختلفة والمتعدّدة داخلها، لتشكّل لها ثقافتها وهويّتها الخاصّة كما عملت عدن، لقد فعلت ذلك متجاوزةً صروف التقلّبات السياسية، الإستعمارية وما بعدها، وبرغم كلّ الممارسات التي كانت تبدو متجاوزة لحدود المدنية، وخاصّة في ظلّ حكم الحزب الإشتراكي، فإنها قد حافظت على وضعها المدني الحضاري، وإن زاحمه بين الحين والآخر الصراع المسلّح لأجنحة الصراع السياسي الحاكم حينها، لكن عدن المدينة والمدنية ظلّت حاضرة بقوة، ذلك أن الصراع الذي دار داخلها لم يستهدف مدنية المدينة، بقدر ما كان يحاول استغلالها لصالحه، فكان صراعاً طارئاً في خارجها ولم يتغلغل داخلها.
إن أهمّ تحوّل في مدنية مدينة عدن حصل بعد غزو 1994 للمدينة، حيث استُهدفت عدن ليس كمكان فحسب، بل كمدنية، فبعد أن تمّت السيطرة على كل شبر فيها وتقاسمت قوى النفوذ مصادر الدخل الإقتصادي والأراضي فيها، وخنقتها بالمنشآت التي تقاسمها الغزاة الجدد، جرى لتلك المدنية استهداف ممنهج، عبر تحويلها من مدينة إلى قرية. صودرت المسارح وتحوّلت إلى منشآت خاصّة، ودور السينما إلى مساجد وصالات للأفراح الخاصّة، أُقفل المطار في وجه الرحلات الدولية التي تمّ تحويلها إلى مطار صنعاء، تحوّل ميناء عدن إلى مخازن للشركات العالمية، ثم أُقفلت المعاهد الموسيقية والصحف وأُبقيت بعض الأبواق التي تطبّل للسلطات الجديدة، تغيّرت المناهج وطرق التفكير شيئاً فشيئاً، وأُفسد المجتمع بأخلاق القرى، عبر إلغاء القوانين وإحلال الأعراف القبلية، فسفحت في شوارع عدن دماء الثيران للتحكيم بدلًا من المحاكم، وجاءت الرشوة والمحسوبية مكان النظام والقانون، والتسيّب بدلاً من الإنضباط.

حين فكّر النظام السابق أن ينشئ قناة ثانية موجّهة إلى مناطق الجنوب، تحسّس من اسم المدينة وأطلق على القناة اسم يمانية، وحين تمّ الضغط ليكون اسمها عدن -وهو اسم أوّل تلفزيون في الجزيرة العربية- ردّ وزير الإعلام اللوزي، حينها، بالقول: "لن نضع اسم حارة على اسم قناة". هذا الردّ كاف ليبيّن كيف كان النظام ينظر إلى هذه المدينة، إنها ليست أكثر من حارة وعليها أن تظلّ في هذا المستوى.
لقد تحوّلت عدن بعد العام 94م إلى مكان غريب لا يعرف نفسه، ومع الأيّام بدأت المدينة تنزف شيئاً فشيئاً وبصورة غير محسوسة، ذلك أن استهدافها جاء بطريقة مدروسة وليست عشوائية، حتّى لا تستطيع العودة إلى مكانها مجدداً. ووجدت نفسها مرّة أخرى، وبعد 20 عاماً من ذلك الغزو، تتعرّض إلى غزو أكثر همجية، إذ لم تأت فقط أخلاق القرى بل أخلاق الكهوف، لكنّها انتفضت بكلّ ما بقي داخلها من قوّة للمقاومة، واستطاعت أن تدحر هذا الغزو الجديد، وأن تحاول مجدّداً أن تقف على قدميها، مدينةً تنفض عن نفسها غبار العشرين عاماً الميتة العالقة بجسدها.
تبدو الآن حكاية ترحيل أكثر من 800 عامل شمالي من عدن ممن لا يحملون هويّات إلى الشمال، وكأنّها إجراء عنصري –وقد يكون كذلك- خاصّة أن الترحيل يستثني أبناء الجنوب؛ وأيّ ترحيل يستهدف مكاناً معيّناً هو إجراء عنصري بكلّ ما في الكلمة من معنى، ولا يمكن لداعي الأمن أن يقدّم المسوغ لإجراء عنصري إلّا إذا أخذنا بمبدأ "الغاية تبرّر الوسيلة". هناك أكثر من طريقة للإجراء الأمني غير الإستهداف، الذي يختصّ جزءاً من الناس دون غيرهم، إذ يمكن للقانون أن يجد الطرق الصحيحة ليمرّر نفسه، بيد أن المسألة هنا يمكن النظر إليها من زاوية أخرى، إذ كيف نطلب ممّن سلبته مدنيّته وحياته أن يكون مدنيّاً؟
تبدو المسألة أكثر تعقيداً، وهي تحتاج لأكبر قدر من التأنّي دون التعصّب أو التشنّج. إن استهداف عدن الممنهج لأكثر من عشرين عاماً لا يسمح بأن نعيد لها مدنيّتها بهذه السرعة؛ وكما نعرف أن الهدم أسهل ألف مرة من البناء، فما بالك بهدم استغرق عشرين عاماً؟
لا يمكن للصياح والتشنّج أن يحلّ الأمر، ولا يمكن للتنابز بالشعارات، إلّا أن يضاعف من المشكلة. لقد وصلت الكراهية حدّاً لا يمكن معه الإستمرار، إلّا بعد أن يفنى جيل ويأتي جيل جديد ينسى كلّ هذا التراكم السيّء في ذاكرة عدن والجنوب وحتّى اليمن عموماً، فما فعلته هذه العصابة على مدى سنوات من الحكم يستحيل أن تستعيده النوايا الحسنة في أشهر.
التعليقات