لا تعني السيطرة على الأرض ربح المعركة، فالنصر السياسي، على مستوى العلاقات الدولية، يتمثل في تحقيق مكاسب سياسية تتمثل في الاعتراف الدولي الذي يمكِّن المنتصر من تحقيق أهدافه وتطلعاته السياسي ومن ثم تحقيق أهدافه الخاصة في إطار دولته المستقلة ذات السيادة.
قبل أسبوع تقريباً اندلعت المواجهات بين قوات «المجلس الانتقالي الجنوبي» الساعي إلى فرض دولة جنوبية مستقلة، والمدعوم من قبل شريك «التحالف» دولة الإمارات، وقوات الرئيس عبدربه منصور هادي، الذي يحاول فرض مسمى «يمن اتحادي» مكوّن من ستة أقاليم، والمدعوم من قبل المملكة العربية السعودية.
وفي حين بدا أن هذا الصراع بين طرفين هما في الأساس اتحدا قبل ذلك لقتال قوات «الحوثي - صالح»، فقد فهم البعض أنه صراع بين طرفي «التحالف»: الإمارات والمملكة العربية السعودية. ولكن بغض النظر عن هذه الدلالة التي يصعب تأكيدها؛ نظراً لوجود نفي واضح من قبل مسؤولي البلدين عن هذا الصراع، إضافة إلى أن المصلحة الاستراتيجية للبلدين تفرض عليهما تجاوز قضايا خلافية مثل هذه تبدو جانبية في إطار ملتقى المصالح التي تجمعهما معاً، فإنه من المنطقي مناقشة نتائج ما وصل إليه الحال في عدن مع وضع تصور مبدئي لما ستؤول إليه من نتائج، لا سيما من منظور «المجلس الانتقالي» الساعي إلى فرض سيطرته بالقوة، متجاوزاً إطار «الشرعية» التي توظف شرعيتها خدمة لمصالح خاصة، أفراد أو جماعات أو دول.
تؤكد بيانات «الانتقالي» وأنصاره أنه انتصر في معركة عدن الثانية، كما يسمونها، وأنه فرض سيطرته عليها ولن يسمح «للشرعية» التي يتهمها بالفساد، بأن تعبث بها وبأمنها، وأن هذه السيطرة هي مقدمة لفرض سيطرة كاملة على الجنوب، وإعلان دولة «الجنوب العربي» المستقلة بحدود ما قبل العام 1990م.
إن قرار السيطرة على الأرض لن يعني أبدا الحصول على دولة مستقلة باعتراف دولي، فهذا الأمر تقرره المرجعيات القانونية الدولية، ولدينا نماذج مختلفة من العالم، لم تستطع فيها أمة أو منطقة أو قومية من أن تحقق اعترافاً دولياً باستقلالها والتعامل معها كدولة مستقلة إلا بالمفاوضات السياسية والاستفتاءات تحت إشراف دولي تفضي إلى الاستقلال ومن ثم إعادة بناء الدولة اعتماداً على الأهداف التي تم النضال من أجلها. وأن القرار الخاطئ قد يجعل المناضل يخسر كل ما بناه في مسيرة نضاله كلها في لحظة واحدة.
قاتل جنوب السودان أكثر من خمسين عاماً لكنه لم يحقق الاستقلال إلا بعد استفتاء دولي برعاية الأمم المتحدة، وسيطرة قوات الجنوب على كل الجنوب حينها لم تحقق له الاستقلال، وقد سيطرت «البيشمركة» على كل إقليم كوردستان العراق، بل وسيطرت حتى على محافظات نفطية مثل كركوك، ولكنها في قرار خاطئ من خلال عمل استفتاء بدون إشراف الأمم المتحدة، فقد فيه الإقليم كل امتيازاته التي كانت لديه، بل وفقد معظم أراضيه وصارت حتى مطارات كوردستان العراق تحت إشراف الحكومة العراقية.
جمهورية أرض الصومال، جمهورية مستقلة وتسيطر عليها قواتها، ولكنها لا تحمل أي اعتراف دولي، ومن ثم لا يمكنها أن تحقق أي تقدم كسائر دول العالم، لأنها لم تستقل بناء على مبادئ وإجراءات القانون الدولي، ومن ثم ستحتاج عدداً من السنوات، مستقلة وغير مستقلة في الوقت نفسه حتى تصحح هذا المسار.
قد يقول قائل إن وضع اليمن الجنوبي مختلف عن تلك النماذج، لأنه كان دولة مستقلة وذات سيادة، وهذا صحيح، ولكن هذه الدولة دخلت باتفاق مؤكد دولياً على التوحّد دون أي شرط للعودة إلى التشطير، وهو أمر قانوني يحتاج إلى التعامل معه قانونياً وسياسياً للوصول إلى فسخ هذا العقد بناء على قواعد القانون الدولي، لأن السيطرة على الأرض قد تحقق استقلالاً على الأرض ولكنها لن تغير في التعامل معها كدولة غير معترف بها ما لم تصل إلى هذا الأمر عبر القنوات السياسية.
من هنا يمكن القول إن «المجلس الانتقالي الجنوبي» وغيره من قوى «الحراك الجنوبي» الساعية إلى الاستقلال أمام مهمة سياسية أكثر أهمية من النصر العسكري، لأن السيطرة على الأرض لن تغير أبداً من وضع البلد ما لم يتم تحقيق نصر سياسي بإشراف دولي، من هنا تأتي مهمة المجلس في مخاطبة العالم قبل مخاطبة الداخل، ومحاولة إيجاد غطاء دولي داعم لقضية استقلال الجنوب بعيدا عن الاستقطابات السياسية التي تنحاز إلى طرف، لأن هذا سيجعل من الجنوب أداة من أدوات تحقيق أطراف صراع أخرى توظفه لصالحها وهذا سينعكس سلباً على مستوى إدارة القضية حاضراً ومستقبلاً.
التعليقات