إستُعمِلت ورقة السيادة الوطنية من قبل الحركة الحوثية، منذ ظهورها إلى الملأ في العام 2004، وحتّى سيطرتها التامّة على السلطة في اليمن عام 2014م. تحرّكت الجماعة ونشأت وتوسَّعت تحت دعوى استعادة السيادة الوطنية اليمنية من الإرتهان إلى الخارج، لا سيّما إلى السعودية وأمريكا، على الرغم من أن الحركة مرتهنة هي ذاتها إلى النظام الإيراني الذي لم يخف دعمه العلني سياسيّاً ولوجتسيًاً لهذه الحركة، على مدى السنوات السابقة. ولم تخف الحركة أيضاً ذلك التواصل الذي بدأ في مستواه الفكري، وحتّى وصل إلى السلاح والمال. فكانت الحركة الحوثية واحدة من أذرع إيران في المنطقة، إلى جانب حزب الله.
وتحتاج الأنظمة غير الديمقراطية إلى أوراق متعدّدة تحاول بها أن تكتسب بعض المشروعية التي تمكّنها من مواصلة سيطرتها على السلطة وفي مساحة شعبية أوسع. هذه الأوراق، التي تستعملها للتضليل الأيديولوجي، يكون تأثيرها بقدر حجم الورقة ذاتها، وأيضاً بقدر تفاعلها مع غيرها من العوامل التي تؤثّر سلباً أو إيجاباً داخل المجتمعات. وتعدُّ ورقة السيادة الوطنية واحدة من أهمّ هذه الوسائل التضليلية التي يلجأ لها النظام، فتحت دعوى حماية السيادة الوطنية يوسّع من صلاحيّاته على حساب الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، ويقوم بقمع المعارضين والمخالفين، واكتساب المزيد من السلطة والنفوذ.
كثيراً ما كانت السيادة الوطنية سلاحاً بأيدي الأنظمة اليمنية المتعاقبة، على الرغم من أن تلك الأنظمة قد ظلّت مجرّد أدوات بأيدي أنظمة أخرى إقليميّاً ودوليّاً، ولو تمّ لنا أن نفحص الإستقلال الوطني اليمني على مدى العقود الماضية، لما وجدنا أثراً واضحاً لتلك التي يمكن أن تسمّى سيادة وطنية بالمعنى الدقيق للكلمة، فبعد ثورَتي سبتمبر وأكتوبر اليمنيّتين في ستينيّات القرن الماضي، نشأ في اليمن نظامان، نظام تابع للمعسكر الشرقي في الجنوب، ونظام تابع للمعسكر الغربي في الشمال، وقد كانت هذه التبعية في كلا النظامين مجرّد ورقة في لعبة الحرب الباردة التي كانت دائرة حينها، ولم يجن أيّ من النظامين غير دفع ضريبة تلك التبعية الشكلية، التي تخدم في الأساس مصالح الطرفين المتصارعين عالميّاً، دون أن تنعكس على مصالح الشعبين شمالًا وجنوباً.
بعد العام 1990، توحّد شمال اليمن مع جنوبه، وقامت الدولة الجديدة على أنقاض الحرب الباردة، محاوِلةً رسم ملامح استقلال وطني، وسيادة وطنية؛ بيد أن الأمر كان مجرّد مواربة، إذ تحوّل البلد من تبعية معلنة إلى تبعية مقنّعة. لقد عمل النظام الفاسد في التركيز على بناء قواعده الخاصّة إبقاءً لمصالحه، فأقام عدداً من التحالفات الداخلية والخارجية التي تتجاوز مفهوم السيادة؛ وعلى مدى سنوات، كانت كشوفات اللجان الخاصّة تستلم مرتّباتها من دول الجوار، متضمّنة كبار رجال الدولة وشيوخ القبائل، ورجال الدين والسياسية.
وفي مقابل التغاضي عن التجاوزات في حقوق الإنسان والمعايير الديمقراطية والغضّ عن الفساد المستشري، وقَّع النظام اتّفاقيات أمنية مع الولايات المتّحدة الأمريكية، سمح بموجبها لها بالقيام بكل ما يمكنها عمله في محاربة القاعدة، وقتل من تريد متى ما تريد بدون محاكمة على أراضي الجمهورية اليمنية. لقد خلَّفت هذه الإتّفاقيات الأمنية -المخلَّة بكلِّ معايير السيادة- عدداً من القتلى من اليمنيين الذين قتلوا خارج القانون، منهم أبو علي الحارثي وأنور العولقي؛ وشهدت اليمن أكبر مجزة بشعة ترتكبها الطائرات الأمريكية بدون طيار، كما في حادثة المعجلة (أبين) التي راح ضحيّتها أكثر من 200 مواطن، ثم يصرّح النظام، حينها، أنّه المسؤول عن هذه العملية التي وصفها بالخطأ. لقد استعمل النظام كلّ ما يمكنه في سبيل التفريط في السيادة سلوكاً وإبقائها على مستوى القول فقط.
إستمرّ التواجد والتعاون الأمريكي مع النظام اليمني بعد خروج صالح من السلطة في 2012، على شكل قوّات نوعية لمكافحة الإرهاب. إنسحبت تلك القوّات من الأرض في 2015، وبقيت في الأجواء تؤدّي عملها في مراقبة وملاحقة وقتل من تشتبه بهم بأنهم عناصر في تنظيم "القاعدة في جزيرة العرب"، ومازالت، حتّى اللحظة، تؤدّي هذه المهامّ العسكرية والأمنية والإستخبارية في كلّ مكان داخل الجمهورية اليمنية.
يُعاد الآن من جديد توظيف ورقة السيادة الوطنية من قبل المتمرّدين الحوثيين وحلفائهم، وبدأنا نسمع عن التدخّل الأجنبي والتعريض بوجود قوّات أمريكية وغير أمريكية تنبغي مواجهتها، ناسين أن النظام السابق، الذي يتحالفون معه، هو أوّل من وقّع اتّفاقيات تعاون أمني تُسلّم بموجبه مناطق في اليمن إضافة إلى الأجواء للقوّات الأمريكية، كما يصبح المواطن اليمني فيها عرضة لقصف الطائرة بدون طيار في أيّ لحظة.
لا يمكن لمن كان سبباً في تشريد الملايين من بيوتهم، وجعل الملايين في الشتات بدون كرامة أو سيادة أن يتحدّث عن السيادة الوطنية. السيادة الوطنية هي أن يحسّ كلّ مواطن في هذه البلاد بأنّه سيّد نفسه، فتمنحه الأمان والحرية والطمأنينة والكرامة. لقد تمّ تجريف وعي المواطنين حتّى لم يستطيعوا التفريق بين الوطن والنظام، وبين الوطن والرئيس، وبين الوطن والسيّد، وهكذا أمكنهم أن يتلاعبوا بمفهوم الوطنية، ويفصّلوه على مزاجهم، وطالما بقي السيّد أو الزعيم أو القائد في خير فإن الوطن بخير. وهنا، نكون إزاء سيادة وطنية من نوع مختلف.
التعليقات