على الرغم من المظهر الغامض لوجود ما يطلق على نفسه تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) في حضرموت واليمن بشكل عامّ، فإن عمليّاته، في مجملها، تبدو هي الأخرى أكثر غموضاً، مع اتّخاذها وسائل قتل أكثر بشاعة في تجلّيها من حيث نوعية الضحايا، ومكان عمليّاتها، وطريقة تنفيذها. ويبدو داعش في حضرموت بعيداً عن الأيديولوجيا التي يتحرّك تحتها بأهداف سياسية غير واضحة عموماً، ولكن يمكن قراءتها من خلال تأمّل ملامح المستفيد منها. فلا يوجد أيّ غطاء أيديولوجي أو استراتيجي يخدم هذه الجماعة الصغيرة، التي تقوم بأعمال أكثر وحشية لا تضرّ عدواً بارزاً مواجهاً لها، بقدر ما توغل في القتل داخل المجتمع المسلم، الذي تدّعي أنّها جاءت لتخرجه من الظلمات إلى النور.
إن المراجع لسياسة هذا التنظيم، منذ ظهوره وحتّى اللحظة، يتبيّن له أنّه امتداد للتنظيمات الجهادية المتطرّفة التي بدأت بـ"القاعدة"، وانتهت به بوصفه النسخة الأحدث والأكثر تطرّفاً ورادكالية، موجّهاً سهام موته تجاه المسلمين المخالفين له، قبل أن يوجّهها لما يسمّيه الكفار. والتنظيم يسعى، في أيديولوجيّته الرئيسية، لتخليص المجتمع من المنافقين والمرتدّين من وجهة نظره، ومن ثمّ التوجّه بعد ذلك باتّجاه الخارج، للكفار والمشركين، حسب توصيفاته. وهو لن يتورّع عن قتل أيّ مخالف له بوصف هذه المخالفة ردَّة توجب على صاحبها الموت؛ لوقوفه في وجه الإسلام.
فإذا أزحنا نظرية المؤامرة جانباً، تلك المؤامرة التي ترى أن "داعش"، في الأساس، منتج استخباري، لتحقيق مصالح سياسية واقتصادية مشتركة بين دول في المنطقة ولاعبين كبار على مستوى العالم، فإن الأكيد أن هذا التنظيم منتج فكري موجود، يتحرّك وفق رؤى معتمدة على تفسير متشدّد لقواعد الإسلام وأفكاره. ومن ثم فـ"داعش" هو نسخة حقيقية تتحرّك على الأرض، وفق قواعد منطلقة من ذلك التفسير المنحرف لقواعد الشريعة ومبادئها. ولكن الأمر المهمّ هو أن نعرف أن "داعش"، ككيان موجود حقيقة في الأرض الواقعة بين العراق وسوريا، وما عداه من التنظيمات التي أعلنت البيعة للبغدادي، كما في لبيبا ومصر ونيجيريا وباكستان وأفغانستان واليمن، هي تنظيمات إرهابية محلّية، تختلف في توجّهاتها، وهي متباينة في رؤاها وأهدافها، كما أن بعضها يعتريه الغموض ولا يوجد لديها أيّة محدّدات رئيسية تحكم سلوكها ولا أهدافها، فضلاً عن أنّها أدوات للقتل والتخريب والتدمير وصنع المزيد من المآسي، كما هو حاصل في اليمن.
ظهر التنظيم إلى الملأ في اليمن عبر تبنّيه تفجيريَن لمسجدين في صنعاء راح ضحيّتهما عشرات من المصلّين، وبعد أن نفى تنظيم "القاعدة" مسؤوليّته عن الحادثين، تبنّاهما "داعش"، الذي قال إنّه استهدف "الحوثيّين الروافض". تبعت ذلك عملية مسجّلة لما قيل إنّه إعدام لمقاتلين حوثيين في الجنوب، ولكن مراجعة مضمون الفيلم المذكور يؤكّد أّنه مصنوع بطريقة احترافية سينمائية، وليست حقيقية. وكانت آخر عمليّة قام بها التنظيم، هي العملية الإنتحارية في مدينة المكلّا، التي استهدفت العشرات من الشباب المتجمّعين أمام باب أحد المعسكرات، طلباً لالتحاقهم بقوّات الجيش في حضرموت.
من خلال هذه العمليّات الثلاث، وإذا استبعدنا العملية المسجلّة التي ظهرت، بحسب المختصّين، أنّها مفبركة، يتبيّن أن العملية الأولى استهدفت مصلّين يصعب فصلهم ما بين حوثيّين وغيرهم، والأخيرة استهدفت شباباً ليسوا ملتحقين بأيّ معسكر بعد، وإنما جاءت بهم الرغبة للإلتحاق بالتجنيد، بما يعني أنّهم ليسوا هدفاً في استراتيجية "داعش"، بل إنّها عمليّات ذات بعد استراتيجي، قد تخدم طرفاً سياسيّاً من أطراف الصراع في اليمن؛ ففيما كانت تستهدف عمليّات مساجد صنعاء جرّ البلاد إلى صراع طائفي، فإن عمليّة المكلا تبدو لها الكثير من الملامح، لعل أهمّها زراعة الخوف في نفس المجتمع الذي بدأ يتحرّر من أغلال المتنفّذين التقليديين، الذين أمسكوا بحضرموت عدد سنين، كما أن الهدف الآخر هو إظهار فشل هذه القوّات الجديدة في الإمساك بزمام الأمور في حضرموت، ومن ثم جعل المجتمع يقبل بأيّ حل قد يُفرض عليه من الخارج.
هل حضرموت هي المكان المثالي للجهاد؟ سؤال لم يكن بحسبان أحد من قبل، كما لم يكن في حسباننا أن تتحوّل هذه المحافظة إلى مكان لممارسة القتل بصورة تعميمية. فحضرموت هي المكان الرائد لجهاد النفس والجهاد بالرزق، ناهيك عن الطبيعة المسالمة للإنسان في حضرموت، والتي فرضت احترامها وتقديرها على مستوى العالم. لم يكن يدرك خيال أحد أن يتحوّل الإنسان في حضرموت إلى هدف لمن يدّعون الجهاد لينشروا الإسلام بطريقتهم، عند من نشر أجدادهم الإسلام عبر أصقاع الأرض بالكلمة الطيبة والمعاملة الحسنة. بيد أن هذا التناقض في الأمر لا يمكن فصله أبداً عن الهدف الإستراتيجي والسياسي لمن يرى في حضرموت مصلحته، التي ينبغي أن يحافظ عليها، ولو كان في مقدوره أن يقضي على كل سكّانها لفعل ذلك.
فـ"داعش" المشكوك بانتمائها أصلاً لتنظيم "الدولة" الأم تظلّ فيها شبه مخابرات حتّى يثبت العكس. فحتّى الآن، لم يثبت أنّها قامت بعملية واحدة ضدّ الحوثيين وقوّات صالح المتحالفة معهم، وقد كانت كلّ عمليّاتها حصراً ضدّ المدنيّين العزّل سواءً في صنعاء أو حضرموت؛ وهذا ما يجعل الأمر يبدو جليّاً، ويمكّننا من أن نوجّه إصبع الإتّهام تجاه من يقف خلف هذه العمليات الوحشية. بيد أنّه من المهمّ أيضاً أن يحصّن المجتمع ذاته من آفة التطرّف، فلم يكن بمقدور المستغلّ السياسي من خارج حضرموت، الذي لن يراعي في أهلها إلّاً ولا ذمّة، أن يعمل شيئاً لولا الغطاء الفكري والأيديولوجي، الذي سهّل لأدواته أن تقنع، من أبناء المحافظة، من يقوم بمثل هذا العمل الشنيع.
التعليقات