الوحدة ليست مجرّد دمج قسري للأرض والجغرافيا، بل تعني التعاون والتكاتف، والإيمان بالمستقبل المشترك، الذي ينبغي أن يعيشه الجميع على قدم المساواة. نظرة عميقة في واقع الوحدة الوطنية في اليمن تكشف أنّها في أسوأ مراحلها على الإطلاق، إذ تعاني من تمزّقات على مستويات مختلفة، منها التمزّق المناطقي المتشكِّل على أساس الهوية السياسية الماثلة قبل عام 1990 (شمال وجنوب)، والتمزّق على مستوى المناطق متأثّرة بغزوات الحوثيين وحليفهم على الجنوب وتعز والبيضاء ومأرب.
كلّ هذه الشروخ، داخل ما كان ينبغي له أن يشكّل جسداً واحداً، تزيد من خطورة التمزّق العميق، فيتحوّل الدمج القسري للجغرافيا إلى عنصر خطر على الجسد نفسه، ومن ثمّ على الوحدة في مفهومها الحقيقي القائم على التعاون والتآزر والتكامل، بما يستدعي القيام بعملية إنقاذ ضرورية تحمي مفهوم الوحدة، ولكن ليست الوحدة كما يعرفها أصحاب المصالح الخاصّة، الذين حوّلوها من مشروع وحدة حقيقي إلى مشروع اقتصادي بملامح فردية، شوّهت الحاضر ودمّرت المستقبل.
في مقابلة مع البردوني أجراها سامي غالب لصحيفة السفير اللبنانية في العام 1995، قال البردوني بصريح العبارة: "إن الوحدة كانت مؤامرة على الشعب اليمني كلّه، إذ أدّت بنتائجها إلى ضرب الجنوب، وستؤدّي بعد ذلك إلى ضرب الشمال والجنوب"، ثم تابع قوله: "إنّها مؤامرة ستؤدّي إلى الإقتتال؛ لأنّ ما في الخراب إلّا الخراب، وما في الفساد إلّا الفساد، وإن الانفصال قائم، ومن ظن أن الوحدة قائمة فهو غير حسّاس وغير مبصر أيضاً". هذا الكلام للمبصر البردوني جاء بعد حرب 1994 مباشرة، أي بعد الحرب التي قالت صنعاء إنّها جاءت لتثبيت دعائم الوحدة.
حينها، كان لا يزال في الجنوب من هو مع خيار هذا الدمج الجغرافي المسمّى وحدة، من الذين كانوا لايزال بهم الأمل بأن تتغيّر الأوضاع وتستقرّ، أو من أولئك المتحالفين مع علي صالح في هذا الإجتياح، إمّا لأهداف ذاتية أو أغراض انتقامية، من بقايا الصراع الماضي في الجنوب. إن موقف البردوني المتأمّل في عمق الوضع السياسي حينها، يبيّن كم أن الوحدة شكلية بل وغير موجودة، لقد كان تشخيصاً لحالة قائمة، لم يكن أحد، آنذاك، يستوعب أنّه حقيقي. كانت الوحدة -بمنظور النظام حينها- في أقوى حالاتها، كما كانت، على المستوى الشعبي، في حالة متعبة، إذ أصبح شريك الوحدة مغلوباً على أمره، ومحكوماً بمنطق المهزوم لا الشريك.
الوحدة مؤامرة على الشعب اليمني، هكذا قال البردوني، وهكذا أثبتت الأحداث التاريخية منذ 1994 وما تلاه، حتّى الإجتياح البربري الكبير في 2015. لقد أثبتت الوقائع التاريخية، إذاً، أن الوحدة هي مؤامرة على الوحدة. يردّد الكثيرون هذه المقولة الشهيرة: "كنّا شعباً في دولتين وغدونا شعبين في دولة". تحقّقت مقولة البردوني بصورة دقيقة ومباشرة، وأثبت أنّه المبصر ونحن العميان. صحيح أن الحال سابقاً لم يكن نموذجيّاً بالنسبة لمشاعر الوحدة في الشطرين، بسبب المماحكات بين نظامَي الشطرين، ولكن روح الوحدة كانت في النفوس عبر التعاون والمحبّة والحلم والأمل المغروس في النفوس بمستقبل واعد ومختلف، ولعلّه يأتي يوم يكونون فيه تحت علم واحد ونشيد واحد وحلم واحد ومستقبل واحد.
أثبتت الأيام أن الوحدة كانت علامة تجارية استفادت منها عصابة واحدة وحوّلتها من مشروع للحلم والأمل والمستقبل، إلى مشروع للكسب الشخصي والتدمير والقتل والخراب والنهب والفساد والإفساد، ومع مرور الأيّام تنسحق الوحدة في نفوس البشر، وتتحوّل من مشروع جميل في النفوس إلى معنى سلبي مثير للريبة والكراهية.
الوحدة بحاجة للإنقاذ، الوحدة كمفهوم إيجابي جميل. صار المرء منّا متّهماً بالكتابة عن الوحدة، وصارت سبّة تلاحق الكثير، وربّما تؤدّي به إلى أن يوصم بالخيانة؛ وهذا يجعلنا نبحث عن مشروع لإنقاذ الوحدة. وباعتقادي أن أهمّ مشروع لإنقاذ الوحدة هو تسليم الخيار إلى الجنوبيين، فهم من يقرّر، إذ ليس من العدل مطلقاً أن يأتي داعي توحيدي ليخاطب الناس بأن يعتصموا بحبل الوحدة، في حين يأخذ هذا الحبل ويلفّه على عنق حلم الشعب.
لا يمكن للمؤامرة -بتعبير البردوني- أن تكون حلّاً خاصّة بعد أن أصبحت تلك المؤامرة واقعاً، وتحوّل الواقع إلى أحداث متسلسلة سالت على إثرها الدماء، وتقطّعت الأرحام، وانغرست الأحقاد، واشتعلت جذوة الكراهية. وهكذا نصبح مضطرين للقيام بمهمّة إنقاذ الوحدة من مؤامرة الوحدة.
التعليقات