في أحد ليالي عمان الباردة من العام 2016، جمعتني جلسة مع مجموعة من الأصدقاء، وكان من بين الحضور وزير الداخلية في آخر حكومة لعلي عبدالله صالح، الذي اختار عمان لتكون محطته الآخيرة يدير فيها استثماراته بعيدا عن عيون الحرب. دارت الجلسة كالعادة حول الأحداث القاتلة في اليمن، وكان الحضور مزيجاً من الآراء المختلفة والمتضاربة والمتنوعة أيضاً، حينها قال المصري مفتخراً: «أنا أحترم شجاعة وإقدام علي عبدالله صالح، فهو الوحيد الذي وقف في وجه السعودية»، أجبته بهدوء: «الشجاعة ليست دلالة على النبل، فمن هذا المنطق لقد كان إبليس شجاعا بما فيه الكفاية ليرفض أمرا إلهيا»، قال لي: «أتشبه السعودية بالله»، قلت له: «لا ولكني أشبه علي صالح بإبليس».
هذا هو المنطق الآن، حين نفكر بالعاطفة، ونضع لقيم مثل «الشجاعة» و«القوة» معاني «العنف» و«القتل» و«الدمار»، فنحن محكومون بتراث ثقافي وفكري يرى في الشجاعة عدم الخوف من الموت فقط، بغض النظر عن الموقف أو المعنى الذي يحكم هذه الشجاعة.
هل الوقوف ضد رجل قوي هو الشجاعة؟ هل عدم الخوف هو الشجاعة؟ ومتى تكون الشجاعة نبلا ومتى تكون الشجاعة قيمة سلبية؟ وعلى هذا نطرح السؤال بشكل آخر، من خلال خطاب صالح الأخير، أو خطاب الوصية أو خطاب اللحظة الأخيرة، هل هذه هي الشجاعة؟ وإذا كانت شجاعة، هل هي شجاعة محمودة أم مذمومة؟
لا أحد ينكر أبداً أن علي عبدالله صالح كشخص شجاع بالمعنى الفيزيائي، فهو رجل عسكري اختار أن يصل إلى السلطة في ظروف هو يعلم علم اليقين أنه قد يقتل في أي لحظة جراءها، بل إنه استمر في السلطة وهو يعلم علم اليقين أنه لن يخرج منها إلا بالموت، ففي موقع الـ«يوتيوب»، يمكن لأي متصفح أن يجد مقطعاً لشهادة قدمها عبدالباري عطوان عن علي عبدالله صالح، الذي قال له «أخذت السلطة بهذه وأخرج جنبيته (خنجره) ولن يأخذها مني أحد إلا بالخنجر أيضاً».
الشجاعة هنا أمر معروف سلفاً، فهو لم يهرب من الموت ولم يخف منه لأنه جزء من استراتيجيات وصوله إلى السلطة وهو يدرك ذلك. لكن هل هذا يكفي لنقول إن هذه الشجاعة هي جانب إيجابي في سلم المعاني الإنسانية؟ هل هذه هي الشجاعة التي تخدم البشر، أم أنها شجاعة محكومة بظروف شخصية أنانية بحتة؟
في مقارنة مع كل الطغاة والجبابرة عبر التاريخ، سنجد الكثير منهم من وقف وقفته الأخيرة متحدياً الموت وساخرا منه، أبو لهب، وصدام وتشاشيسكو.
تذكر كتب التاريخ أن أبا جهل الذي كان يلفظ أنفاسه الأخيرة، جاءه عبدالله بن مسعود ووضع رجله على رقبته، فقال له حينها أبوجهل: «لقد ارتقيت مرتقاً صعباً يا رويعي الغنم». لا أعتقد أن هناك صورة في التعبير عن الشجاعة والمكابرة في تحدي الموت أبلغ من هذه الصورة، ولكن لم تقل أي من كتب السير ولا التاريخ أن هذه الشجاعة التي تحلى بها أبو لهب هي شجاعة إنسانية إيجابية، ذلك أن السياق الذي يحتويها هو سياق المكابرة والإصرار على الوقوف ضد الحق.
إن الشجاعة الحقيقية هي أن يقف الإنسان أمام رغباته وأمام نفسه، فربما كانت نفس الإنسان هي أقوى شيء يمكن للإنسان مواجهته، الأمر الأصعب على البشر هو أن يقف أمام ذاته، ويتغلب على رغباته الخاصة مقدما مصلحة الناس الآخرين، وهكذا عمل الأنبياء والصالحون، فقد امتلكوا من الشجاعة ما مكنهم من التنازل عن رغبتهم في الإنتقام والصبر على رغباتهم الخاصة من أجل إصلاح المجتمع، وهكذا عمل العظماء الذين كانت لهم شجاعة كافية لمواجهة ذاتهم، فلو استسلم غاندي لرغبته الذاتية والرد على القوة بالقوة ذاتها، لما استطاع أن يبني هذا المجد، ويصنع هذه الشجاعة التي يحمدها البشر، ومثله أيضا فعل مانديلا.
كنت أتمنى أن أستمع إلى علي عبدالله صالح في خطابه الأخير وهو يتحلى بقدر كبير من الشجاعة، ويعترف بأخطائه في الحكم طوال 33 سنة، لكنه لم يكن لديه من الشجاعة ليعترف أقل شيء بخطئه المباشر الذي جعله يستسلم لأحقاده ويتعاون مع قاتليه، فيجني على نفسه وعلينا وعلى الوطن جميعاً؛ لم يشأ أن يعترف بهذا الخطأ، لم يستطع أن يمتلك الشجاعة الكافية ويعترف أنه ارتكب أكبر خطأ استراتيجي في حياته السياسية، أدى بنا وبالبلاد إلى التهلكة، لقد كان فعلا شجاعا فقط ليبرر تلك الأخطاء، مواصلا مكابرته، محاولا الحفاظ على صورته أمام التاريخ الذي حاول أن يبنيه لمصلحته الشخصية وليس لمصلحة الوطن، حتى أنه لم يغفل تبرير مصادر الأموال التي جمعها طيلة حياته في السلطة.
التعليقات