على الرغم من الفضاءات المفتوحة وتنوع وسائل الإعلام بين مرئي ومسموع والكتروني، وسهولة وسائل الاتصالات الحديثة وتقنياته؛ فإن وصول المعلومة إلى الأفراد ما زال محكوماً بسياسات إعلامية معينة تحاول توظيف الأحداث لصالحها، وتوجيه الرأي العام توجيها معنياً يخدمها.
فالمواطن على الرغم من التقدم التقني والمعرفي، ما زال قاصراً عن الوصول إلى الحقيقة ومن ثم تشكيل وعي معين، وما زال تحت سلطة التوجيه الإعلامي، لذلك نرى في اليمن أن الأطراف المتصارعة تعمل جيداً على إدارة المعارك الإعلامية بالتوازي مع إدارك المعارك المسلحة على الأرض، إذ أن المعركة الأولى أكثر تأثيراً ويمكنها أن تغير من خارطة السيطرة بصورة أسرع.
قبل أن يسلم الرئيس السابق علي عبدالله صالح، السلطة شكلياً إلى حكومة «إئتلاف» أو ما سميت حينها بحكومة «التوافق» في العام 2012، كان قد جهز نفسه بوسائل إعلامه الخاصة، وشكل بها رأياً عاماً كبيراً داخل اليمن، وقد أدار بها معاركه حتى لحظة سقوطه في أواخر العام 2017.
قبل هذا التاريخ حين أراد «الحوثيون» السيطرة على اليمن، كان أول مخططاتهم هو إسقاط القنوات التلفزيونية والإذاعية في أيديهم منذ 2014، حين سيطر على وسائل إعلام الدولة ووسائل إعلام «الإصلاح»، وحتى 2017 بإسقاط كل الوسائل الإعلامية المتبقية، والتي كان يديرها حلفاؤهم من «المؤتمر»، ليبقى صوتهم هو الوحيد المؤثر والمسموع. في المقابل، نزحت الأطراف الأخرى إلى الخارج كل بحسب توجهه بين المملكة العربية السعودية والإمارات ومصر وتركيا، وأديرت من هناك قنوات تتبع جهات مختلفة لها توجهاتها المتباينة، بيد أنها تخاطب الداخل وتحاول أن تشكل رأياً عاماً يخدم الأهداف التي تسعى إليها.
بشكل عام، لا يوجد مطلقاً وسيلة إعلامية يمنية واحدة يمكن القول إنها تؤدي عملها بمهنية، بل إنها تمثل توجهات مموليها، وتخدم أهدافهم الخاصة، من هنا يمكن القول إن هناك عدة خطوط إعلامية أساسية فاعلة، الخط الأول هو خط ما يسمى بالحكومة «الشرعية»، والخط الآخر، خط «الحوثيين»، والخط الثالث خط «المؤتمريين»، والخط الرابع خط حزب «الإصلاح» الموالي للسعودية، والخط الخامس هو خط «الإصلاح» الموالي لقطر، والخط السادس هو خط «الحراك الجنوبي» المتحالف مع الإمارات، والخط السابع هو خط «الحراك الجنوبي» المتحالف مع السعودية. فهذا هو تقييم أداء تلك الوسائل الإعلامية، سواء أكانت مرئية أو مسموعة أو مقروءة أو الكترونية، ولكن هناك استثناءً بسيطاً لبعض المواقع الإخبارية التي يتبع بعضها منظمات المجتمع المدني، والتي تعمل في مجال حقوق الإنسان أو في المنظمات المدنية المماثلة.
بيد أن تقييم أداء تلك الوسائل الإعلامية استناداً إلى معاييرها في إطار الصراع القائم، يبين أن أضعف أداء إعلامي هو أداء الإعلام الرسمي الموالي لحكومة الرئيس عبدربه منصور هادي وحلفائه، حيث يعد انعكاسا لأداء هذا الطرف في مختلف جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والإعلامية والعسكرية، بيروقراطية وأداء تقليدي لا يختلف أبداً عما هو موجود منذ خمسين عاماً. في المقابل فإن أداء إعلام «الحوثيين» يُعد جزءً أساسياً من استراتيجيتهم العسكرية، فيدركون جيداً متى يستعملون سلاح الصورة وكيف يستعملونها، مع إدراك جيد لطبيعة الجهات المستهدفة بخطابها الإعلامي وكيفية مخاطبة هذه الجهات باللغة التي تفهمها، وتستطيع أن تسوق للفكرة التي تريدها وتستطيع أن تخفف من إخفاقاتها، وتواجه مختلف وسائل الإعلام الأخرى التي تقف ضدها. صحيح أن الأمر لا علاقة له بالمهنية ولا بالجانب الذي يخدم المواطن والإنسان، ولكن بمعنى هنا أن الإعلام «الحوثي» يدرك جيدا كيف يكون متسقا مع خطاب المعركة المسلحة، ابتداءً من سلاح الصورة وانتهاء بالحملات الإعلامية على مواقع التواصل الاجتماعي.
التعليقات