ألقت الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التركية بظلالها على الواقع اليمني، في ظل الانقاسم الحاد الذي يعيشه المجتمع بمختلف أطرافه المتصارعة على مدى الثلاث السنوات الماضية. وإذا كانت الانتخابات التركية قد انقسمت فيها الأطراف بين مؤيد ومعارض لسياسة أردوغان على أسس تنطلق من البعد السياسي الداخلي، بمختلف مسوياته، في الجانب الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، فإن هذه الإنتاخابات في اليمن، قد أفرزت مؤيدين ومعارضين أيضاً، ولكن على أسس لا علاقة لها مطلقاً بالأبعاد التي تقف وراء التنافس الانتخابي، وإنما تأخذ بعداً أيديولوجياً مبايعاً لأردوغان، خليفة جديداً للمسلمين، أو معارضاً للدور التركي المتنامي ولهذه الأيدولوجيا تحديداً.
يقف التجمع اليمني للإصلاح بمختلف مستوياته، قيادة وقواعداً، وبمختلف أجنحته، مع أردوغان ومشاركة حزب العدالة والتنمية معركته الانتخابية، خطوة بخطوة، ومشاركته فرحة الفوز، وتصنيف الأمر على أنه نصر للإسلام والمسلمين، حتى لتبدو منشورات ناشطيهم وكأنها ضمن الحملة الدولية لمناصرة أردوغان وحزبه، ووضعهما أيقونة للنموذج الذي ينبغي أن تكون عليه الدولة الإسلامية، بيد أن من يقول ذلك سيتجاهل تماماً فكرة أن هذه الإنتاخابات والدستور الذي تنطلق منه، والمبادئ التي تحكمها والأسس التي تدعمها، قائمة على مبادئ الدستور العلماني التركي، الذي يمثل الضامن الحقيقي للانتقال السياسي، وهو الضامن الفعلي لوصول السلطة إلى التيار الإسلامي، ولكن وفقاً لهذه الأسس العلمانية الأتاتوركية.
على الناحية النقيضة، يقف أعداء أردوغان وأعداء حزب العدالة والتنمية، لا لتقييم الدور التركي بمنظور المصلحة الوطنية اليمنية، ولا انطلاقاً من الأسس التي أثرت على مجريات الانتخابات التركية في الداخل، ولكن على أساس علاقتهم بحزب الإصلاح وقياداته في الداخل اليمني، إنهم يقفون ضد السياسة التركية فقط لأن الإصلاح يناصرها، ولو قلت لهم إن المعارضة التركية باركت تلك النتيجة واعترفت بنزاهتها، وأن انتصار العدالة والتنمية وأردوغان كان نتيجة لاختيار الناخبين الأتراك الذين يدركون بكل تأكيد أن أردوغان يسعى باتجاه الانفراد بالسلطة، ولكن الخوف من الفشل الاقتصادي وعدم وجود البديل القادر على أن يسحق أردوغان، كان ذلك هو السبب المباشر لفوزه.
متى يدرك إخوان اليمن ومختلف التيارات الإسلامية التي تعادي تحييد الدين عن السياسة، أن هذا هو الضامن الحقيقي للانتقال الديمقراطي، وتجاوز فكرة التسلط والديكتاتورية والاستعباد؟ متى يدركون أن فوز أردوغان كان مرهوناً بالدستور الأتاتوركي العلماني الذي يضمن الحرية والديمقراطية والمساواة وحقوق الإنسان والعمل المؤسسي، وأن الاستمرار في الانتهازية السياسية سير في الاتجاه الخاطئ نفسه الذي تسير فيه المجتمعات العربية منذ قرون؟
يعادون العلمانية ويناصرون أردوغان العلماني، في تجسيد واضح للتناقض والأزمة التي تعيشها هذه الأيديولجيا، كما عبرت بهذا الأمر لأحد المناصرين المتعصبين، فكان رده على أن أردوغان ليس علمانياً، وإنما يستغل الدستور العلماني لتنفيذ سياسته الإسلامية كما يريدون هم، بمعنى أنهم يتمنون بالفعل تجسيد هذه السياسة التي لا تريد العلمانية إلا بوصفها سلماً للوصول إلى السلطة، ومن ثم تغيير القواعد الديمقراطية والأسس الحاكمة والعودة إلى تنفيذ أسس الدكتاتورية تحت مبرر تنفيذ القواعد الدينية، والتي هي في الحقيقة مجرد حصانة دينية تعطيهم القدرة على تنفيذ السياسات التي يريدونها من دون التعرض للمساءلة من أحد.
أما الاتجاه الآخر، فلا يقل خطورة ولا دكتاتورية عن هذا التيار الديني، إذ ينتشي لمجرد فكرة الانقلاب على الأسس الديمقراطية التركية، بغض النظر عن البديل حتى لو كان حاكماً دكتاتورياً، فهو مرحب به طالما كان حاملاً راية معاداة الإسلام السياسي، فهم يرحبون بالدكتاتورية طالما أن الديمقراطية يمكن أن تنجب إسلاميين من نوع العدالة والتنمية، يتصاعرون جميعاً وينسون النظام والقانون واحترام الدستور ومبادئ الديمقراطية التي ينبغي أن يحافظ عليها الجميع، من أجل انتقال ديمقراطي يحمي الجميع من هول الصراعات.
التعليقات