على أثر حروب النار المشتعلة في أكثر من جبهة في اليمن، تشتعل حروب أخرى موازية تتمثل في حرب الاقتصاد، التي يحاول فيها كل طرف استخدام أسلحة غير تقليدية قد تساعده على استنزاف الطرف الآخر وإرغامه على الاستسلام أو الهزيمة، بيد أن المواطنين هم غالباً من يدفع ثمن هذه الحرب، فهم الخاسر الأكبر والوحيد من كوارثها، فإن كانوا بعيدين عن نار الصراع فإنهم لا يسلمون من نيران الغلاء والحصار والتجويع وسياسة الأتاوات، التي تجمع لصالح أمراء الحرب المتاجرين بدماء البسطاء تحت ذرائع مختلفة متباينة.
أول معركة في هذه الحرب كانت معركة نقل المصرف المركزي من صنعاء إلى عدن، فبعد عامين من الحرب اكتشف «التحالف» أنه وضع في يد «الحوثي» أهم عصب في الاقتصاد الوطني، والمتمثل بالبنك المركزي، بيد أن هذا التسليم كان يحمل تبعات صرف مرتبات الموظفين في كل مناطق اليمن. إزاء ذلك، عمل «التحالف» حينها على محاولة نقل البنك، في خطوة أراد منها سحب مركزية التحكم في المركز المالي، فعمدت الحكومة إلى الإعلان عن بنك مركزي في عدن، وتحويل كل الصلاحيات والتعاملات الداخلية والخارجية عبره.
أمام هذا الإجراء، أصرت سلطة صنعاء على الإبقاء على البنك المركزي في صنعاء، معتبرة أن خطوة عدن «غير شرعية»، وتداركت هذه المعركة بالإبقاء على كل الإيرادات السيادية والمحلية سواء من صنعاء أو من بقية المناطق المسيطر عليها دون أن يكون عليهم أي التزامات. لقد تم توظيف هذه المعركة لصالحهم (صنعاء) من خلال تنصلهم عن دفع المرتبات في مناطق سيطرتهم، مستغلين فكرة نقل البنك، في حين تنصلت الحكومة في عدن من دفع المرتبات بحجة أن «المتمردين» يجنون الإيرادات من تلك المناطق، بمعنى أن هذه المعركة بين الطرفين كان خاسرها الأكبر هم الموظفون في مناطق سيطرة السلطات «الحوثية»، حيث أنهم بدون مرتبات لما يقارب من العامين حتى الآن.
حين أدركت القوى المناهضة لـ«الحوثيين» هشاشة تلك المعركة وعدم جدواها، صوبوا عدساتهم باتجاه أهم منفذ تدخل منه أكثر من 70% من البضائع للمستهلك اليمني، مع ما يرافقها من رسوم وجمارك ضخمة تسد احتياجاتهم لتمويل الحرب وغيرها، وتجري المعارك الآن على أبواب ميناء الحديدة، بيد أنه من المؤكد، بحسب تحذيرات الأمم المتحدة، أن الخاسر الوحيد هو المواطن البسيط الذي ستقفل أمامه كل سبل المواد الغذائية، سواء كانت عبارة عن تبرعات ومساعدات أو مواد غذائية ومستلزمات وأدوية وبضائع للتجار.
ولأن الحكومة في عدن لديها كل المسوغات «الشرعية» لطبع وتداول العملات، بما يساعدها على سد احتياجاتها من السيولة النقدية، فإن هذا يأتي على حساب العملة ذاتها التي تتضخم وتفقد قيمتها أمام العملات الأخرى، بما ينعكس على المواطن الذي يصبح ما يجنيه من مال لا يساوي شيئا في السوق. وبخطوة موازية، تقرر سلطات صنعاء رد الهجوم بهجوم مضاد، فتقرر إلغاء العملات الجديدة المطبوعة في عدن، فيتضرر بشكل مباشر أولئك المواطنون الذين استلموا مرتباتهم في صنعاء وبقية المناطق في الشمال، إذ تصبح هذه العملة بلا قيمة تذكر، في الوقت الذي تستمر فيه أطراف الحرب في الحصول على مصادرتمويلها الخاصة والتي يكون قودها الناس المطحونين غالبا.
التعليقات