من أصغر الأحداث تتولد أكثر القضايا خلافية، وفي هذا الجو المشحون بالحرب ونيرانها، تتحول حتى تلك الموضوعات التي تجمع الناس، إلى أسباب للشقاق والاختلاف، ومادة للصراع أيضاً. وكما كانت أم المشكلات في اليمن هي مسألة الخلط العبثي بين الدين والقبيلة والسياسة، تظل عبثية الخلط فاعلة حتى اللحظة، ويمتزج فيها الجهل بالخبث السياسي، حيث يتم توظيف القضايا لصالح التوجه الذي تراه بعض الجماعات من أجل التأكيد على صحة نهجها والتوجهات التي تتبناها.
في العاصمة الأردنية عمَّان، جمعت إحدى صالات الأفراح فنانَيْن ينتميان إلى اليمن، الأول هو الفنان اليمني الشاب حسين محب، والآخر هو الفنان الإسرائيلي من أصول يمنية: زيون جولان، وقد تم تنظيم الفعالية من قبل أحد المشائخ المحسوبين على تيار الرئيس السابق على صالح، حيث تحولت إلى مادة للسجال الحاد، مع وضد، وما بين بين، بيد أن اللافت، أن الأمر لم يظل عند مستوى نقد الحدث بقدر ما يحمل من أبعاد تتجاوزها لتندمج في سياق الصراع الدائر في اليمن، بخلفياته الفكرية والدينية والسياسية.
يبرز الفريق الأول، وهو التيار القومي العربي، والذي يرى أن الفعالية تعد توصيفاً دقيقاً للتطبيع الشعبي بين اليمن وإسرائيل، بوصف زيون جولان مواطناً إسرائيلياً، ويمكن أن يخدم في الجيش الإسرائيلي في أي لحظة، لذلك، فإن دعوته والغناء معه يُعد جريمة في حق الأمة والعروبة.
فيما يرى فريق ثانٍ، أن زيون رمزاً للصهيونية العالمية وللدولة الإسرائيلية، وأنه يمثل جزءاً من المؤامرة العالمية ضد الإسلام والمسلمين، ولا يمكن قبول مبرر كونه من أصول يمنية، ولا الغناء معه، ولا قبول تشجيعه بوصفه محباً ومشجعاً للفن والتراث اليمني، وأن القبول بهذا الأمر، يعد تواطوءاً مع المؤامرة، وقبولاً للتوجهات الأمريكية - الإسرائيلية في المنطقة.
ويرى الفريق الثالث، أن زيون مواطناً من أصول يمنية يتغنى بالتراث والفن اليمني، ويعتز ويفخر به ويسوقه بين الأمم، وأنه وإن كان ابن يهوديين مهاجرين من اليمن، ويعيش ويحيا في كنف الكيان الصهيوني، فإنه لم ينس تربته التي نبت منها، وما زال يعيش بهوى اليمن في دمه، وأن الفعالية مشروعة بعيداً عن الاعتبارات السياسية أو الدينية، بكون الأمر كان تحت مظلة اليمن في وكنف التراث اليمني ومرجعيته اليمنية، ولا وجود لإسرائيل إلا في محتوى الجنسية التي ينتمي إليها هذا الفنان.
باعتقادي أن المسألة كأغلب القضايا الدائرة في الواقع اليمني، تغادر سياقاتها الطبيعية لتتفاعل مع ما حولها من اعتبارات سياسية واجتماعية ودينية، ولا يتم تقييمها والتعامل معها في إطارها، ولكن يتم الحكم عليها تبعاً للزوايا التي يتم النظر منها إليها. بمعنى أن قضية زيون ومشاركته حفلة عرس يمنية في عمان تغادر سياقها، ليتم الحكم عليها وفقاً لاعتقادات مطلقيها، ثم يترتب عليها موضوعات تتعلق بالشأن الدائر في اليمن.
إن المطالب بالحكم على الأمر ليس التيارات السياسية، ولا الشخصيات الدينية، ولكن الجهات المختصة في الجانب الفني والثقافي، فهي المطالبة بتحديد الموقف، وفق سياقه الذي ولد فيه، ومنع أي توظيف له ليكون جزءاً من مشروع آخر، يستهدف المواطن في الداخل قبل أن يهمه التطبيع أو إسرائيل، أو التراث والفن.
التعليقات