تسعى القوى المختلفة في جنوب اليمن نحو الاستقلال، بدءاً من قوى الحراك الجنوبي، وحتى بقايا الأحزاب التي يمكن القول إن لها ارتباطات بالشمال، على اختلاف توجهاتها. بيد أن الكثير من هذه المراكز والتيارات أو حتى الدول الداعمة لها، تعمل على تأسيس دولة المستقبل التي يسعون إليها بأدوات الماضي، سواء كانت هذه الأدوات سياسية أو اجتماعية أو على شكل أفراد أو أفكار واستراتيجيات، ففي حين يسعى البعض إلى وضع أسس الدولة بالتركيبة المؤسساتية نفسها لما يسمى دولة اليمن (الجمهورية اليمنية)، يسعى الطرف الآخر إلى استنساخ قيم القبيلة وغيرها من أدوات ما قبل الدولة، والتي ظلت فاعلة في الشمال، وفي دولة ما بعد العام 90 حتى الآن.
آخر هذه الأدوات التقليدية، ما سمي بحلف قبائل الجنوب العربي، وهو على ما يبدو يحاول أن يلعب الدور نفسه حتى في امتداد التسمية لحلف قبائل حضرموت الذي عمل على تأسيسه الشيخ سعد بن حبريش في الـ 4 من يوليو 2013، قبل أن يتم اغتياله من قبل القوات العسكرية التابعة لصنعاء في سيؤون في الـ 2 من ديسمبر العام نفسه، حيث تداعت على إثره قبائل حضرموت التي شكلت الحلف لتقوم بما سميت في حينها الهبة الشعبية، ثم ما نتج عنها من ردات فعل قوية وصلت حتى اللحظة إلى استلام الحلف زمام الأمور في ساحل حضرموت، على الأقل من خلال تعاونه مع التحالف العربي ما بعد العام 2015 وتحرير المكلا من عناصر تنظيم «القاعدة».
إن تسمية تحالف قبائل الجنوب محاولة لاستيعاب القبائل من مختلف المناطق، بيد أن الخطوة ذاتها تمثل تراجعاً باتجاه الماضي، حيث أن التكتلات القبلية أهم عائق يمكن القول إنه يقف أمام مكون الدولة ومؤسساتها في العصر الحاضر، لا سيما حين يكون حضور القبيلة معززاً ليس بالقيم القبلية فحسب، بل وبكل المشكلات المرتبطة بها، من الثأر والمحسوبية والسلاح ووضع الأعراف القبلية محل النظام والقانون.
الأمر الآخر القادم من أرشيف الماضي، هو بناء المعسكرات الشمالية التي تدين بالولاء للسلطة في الجنوب، وهي موجهة نحو تحقيق أهداف في الشمال، حيث يجري الآن في عدن بناء معسكرات بقيادة طارق صالح، المدعوم من قبل القوات الإماراتية تحديداً، وعلى خط دعم المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من المعسكر نفسه، حيث تتخذ هذه القوات هدفين رئيسين شمالياً، الأول مواجهة الحوثي، والآخر مواجهة الإخوان المسلمين وقوات هادي في الشمال، بما يعني أن هذا التوجه هو عبارة عن استساخ لما كان يجري في السابق بين الشمال والجنوب، حيث كان الشمال يستوعب القوات المعادية للجنوب والعكس، وهذا ما يعطي تصوراً عن المستقبل الذي يتخذ صورة مشوهة عن الماضي، حيث أن هذه الأدوات ليست موالية لبعض العناصر في الجنوب فحسب، ولكنها آخذة ولاءها من عناصر أخرى خارجية أيضاً.
الصورة الأخيرة التي يمكن أخذها في هذا الأمر هو أن أغلب المكونات والتشكيلات سواء كانت سياسية أو اجتماعية تسعى لإعادة تشكيل الدولة الجنوبية، هي عبارة عن تجميع لكل رموز الماضي، هذه الرموز في أغلبها فشلت عبر الدول المتعاقبة في تكوين دولة تنمية حقيقية تهتم بالمواطن بالدرجة الأولى، بدءاً من دولة النظام الإشتراكي قبل العام 90، وما تلاها من وحدة فشلت في تحقيق حلم الدولة المنشودة، وانتهاءً بما يجري التحضير له الآن تحت لافتة استعادة الدولة، ولكن من دون تقديم نموذج واضح لهذه الدولة سوى أنه العودة إلى الماضي مهما كان شكله. مع بعض الاستثناءات من خلال وجود بعض القيادات الشابة، غير أن صوتها غير مسموع حيث الغلبة والصوت الأعلى هو للخطاب التقليدي الذي يحن إلى الماضي أكثر من طموحة لشكل جديد في المستقبل.
التعليقات