ينفتح باب النزوح بوصفه قدراً على كل منطقة تزورها الحرب داخل اليمن، وعلى مدار الأربع سنوات المتواصلة، تنتقل الحرب من منطقة إلى أخرى، تاركة أمامها ووراءها نازحين هجروا بيوتهم وآمالهم وأحلامهم، ثم عادوا إليها ليجدوها ركاماً لا يعرفونه غالباً.
هذه الحرب وصلت أخيراً إلى محافظة الحديدة التي تترامى أطرافها على سهول تهامة وسواحلها، وتترامى على أطراف الفقر والمجاعة والأوبئة أيضا. فالحديدة، ليست ساحة معركة قذائف وقنابل ورصاص فحسب، بل وساحة موت وجوع وأمراض فتاكة أيضاً. وعلى دوي القذائف تنزح آلاف الأسر باتجاه المدن المختلفة، من صنعاء التي تسيطر عليها قوات «الحوثي»، إلى عدن التي تسيطر عليها ما تسمى بـ«الشرعية» مدعومة بقوى «التحالف». وبين رحلة النزوح هذه تتكشف الكثير من المآسي، وتنفتح الكثير من الملفات ذات التوظيف السياسي والتي تحسب كل شيء إلا معاناة النازحين أنفسهم.
تزحف الحرب باتجاه مدينة الحديدة، حاصدة عشرات القرى والتجمعات السكانية في طريقها، والتي يقتات أغلب الناس فيها على مهنة الصيد أو الزراعة أو غيرها من المهن البسيطة، التي تكفيهم قوت يومهم، والحديث عن النزوح بالنسبة لهم هو حديث عن الموت. وبحسب تعبير أحد أبناء الحديدة، فإنهم لشدة فقرهم لا يقدرون على فعل شيء، حتى التشرد ذاته لا يقدرون عليه.
وعلى الرغم من أن الأمم المتحدة وكثير من الدول قد أعلنت منذ وقت سابق خطورة الحرب على الحديدة، وضرورة تجنيب المدنيين مخاطر الصراع، فإن الأمم المتحدة وكذلك بقية الدول لم تعمل حتى الآن على إيجاد خطة واضحة لكيفية انتشال المدنيين من مدينة الحديدة، وتقديم الدعم اللازم لهم لكي يكونوا في مأمن من نار الحرب، أو تبعاتها، سوى أن هؤلاء النازحين قد وجدوا مأوى لهم في المدن القريبة، كما فعل قبلهم سكان عدن أو تعز، وتوزعوا على مدن صنعاء والمحويت وحجة وغيرها.
تحاول صنعاء والسلطات «الحوثية» الفاعلة فيها تقديم نفسها السلطة الشرعية المتعاملة بمسؤولية إنسانية مع نازحي الحديدة، إذ يتم تقديم المتاح بتعاون الكثير من المنظمات والداعمين، وتوفير مواطن آمنة لهم سواء في المدارس أو في غيرها من معسكرات استقبال اللاجئين، في حين أن عدن التي تعد عاصمة السلطة «الشرعية»، ومقر قيادة «التحالف» الداعم لـ«الشرعية» والذي تحمَّل أمام الأمم المتحدة والعالم مسؤولية اقتحام الحديدة وتشريد سكانها لاجئين بين المدن، صارت (عدن) مكاناً مخيفا لهؤلاء النازحين، فخلال أسبوع فقط شهدت المدينة عدن، هجومين مميتين على تجمع لنازحي الحديدة هناك، وتحت شعارات، مهما كانت المبررات التي تسوقها الجهات التي تقف خلفها، فإن خلاصتها تقدم شهادة على وفاة قدرة «الشرعية» وداعميها على تحمل مسؤولياتهم الأخلاقية والقانونية أمام الحديدة وسكانها ونازحيها.
تدخل مدينة الحديدة، وسكانها إحدى المراحل التي تبدو مختلفة، بيد أنها تشكل حلقة في سلسلة الحرب التي يريد كل الأطراف فيها أن يحققوا نتائجهم عبرها، من دون أن يتحملوا أي تبعات إنسانية ولا أخلاقية، ومن دون أن يردعهم في ذلك قانون محلي ولا دولي ولا وازع ديني ولا أخلاقي.
التعليقات