أكثر من 55 قتيلاً ضحايا مدنيين لقصف تجمعاتهم في الأسواق والمستشفيات في مدينة الحديدة في يوم واحد، والمتهم الأساسي في هذا الهجوم المميت، هو طائرات «التحالف العربي» الذي تقوده السعودية والإمارات. وفي الوقت نفسه، يتنصل «التحالف» عبر متحدثه الرسمي عن هذه الجرائم، ملقياً باللائمة على «الحوثيين». وعلى الرغم من وضوح بصمات القصف الجوي، فإن «التحالف» يحاول الهروب من تحمل المسؤولية القانونية والأخلاقية لهذه الجريمة، وفي الوقت نفسه، يحاول الاستفادة منها سياسياً عبر تحميل «الحوثيين» مسؤولية ارتكابها، من أجل إلصاق التهمة بقواتها، كما تعمل سلطات صنعاء التي يسيطر عليها «الحوثيون» على استغلال الجريمة من أجل تعبئة الرأي العام المحلي في الداخل باتجاه الوقوف مع مشاريعهم السياسية، وفي الوقت نفسه، الضغط على الرأي العام العالمي والمجتمع الدولي، من أجل إيقاف التقدم باتجاه الحديدة، ووقف الحرب عليها، بوصف ذلك خطراً حقيقياً على المدنيين. وفي كل الأحوال، المدنيون هم من سيدفع الثمن، ذلك أنه يتم اتخاذهم ورقة ضغط أو ورقة ضغط مقابلة، وتصير دماءهم أداة للتفاوض، إذ يقف القتلة واثقين من قدرتهم على تجاوز أي محاولة للمساءلة أو العقاب، حتى لو ذهب عشرات الآلاف منهم ضحايا، فإن أي من الطرفين لن يقف أمام أي محكمة خارجية أو داخلية، لذلك فلا أحد سيكترث لهؤلاء المدنيين، طالما أن هذا القتل يحقق لكلا الطرفين ما أراد.
في الحقيقة، أن هذه الجريمة ليست الأولى ولن تكون الأخيرة، طالما أن هناك غياب تام لأي مبادرة دولية، سواء كانت هذه المبادرة من دول أو منظمات للوقوف من أجل حماية المدنيين ومحاسبة من يتجاوز قوانين الحرب، حيث يمكن لتحقيق دولي شفاف ومحايد، أن يكشف المرتكب الحقيقي لهذه الجريمة وتقديمه إلى العدالة الدولية، من أجل أن ينال عقابه الرادع وفقاً للقانون الإنساني الدولي، والقوانين الجنائية الدولية في هذا الشأن.
مهما كانت المبررات، فإن استهداف المدنيين جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية، وسوف يتم المعاقبة عليها عاجلاً أو آجلاً، فمن يحاول أن يتنصل من الجريمة اليوم، وكذلك من يحاول أن يتستر عنها أو يبرر لها أو يعطيها شيئا من المشروعية، فإنه سيكون أمام العدالة الدولية محاسبا بالقوانين التي لا تسقط هذه الجريمة بالتقادم.
لقد ارتكبت قوات «التحالف» الكثير من الجرائم الكبرى ضد الإنسانية، منذ أكثر من ثلاث سنوات، وعلى الرغم من كل ذلك، فلا يوجد حتى الآن تحرك دولي قوي لإيقاف هذه الجرائم والتجاوزات، ذلك أن اليمن وحربها أمران منسيان على حسب وصف الكثير من الكتاب العالميين، بيد أن كل المنظمات الدولية الموثوقة تقريباً ترصد وبدقة هذه التجاوزات والجرائم، وتوثقها، وهي جاهزة لتقديمها للمحاكم المختصة، فيما إذا كان هناك تحرك دولي ولو جزئي، وهو ما يعني أن هذه الجرائم ستتحول إلى أدوات لابتزاز دول الخليج ليكون الصمت عنها مقابل استمرار الاستثمارات والتمويلات المالية، ومهما يكن فإن الجرائم قد تلاقي طريقها لعقاب مرتكبيها يوما ما، وحينها يكون الجناة قد خسروا إنسانيتهم ونقودهم وسياستهم وخسروا الحرب أيضاً.
التعليقات