يؤرخ الحراك الجنوبي بوصفه حركة اجتماعية سياسية برزت في العام 2007، في جنوب اليمن، واضعاً غايته الأساسية استقلال الجنوب أو فك ارتباطه عن الشمال، الذي دخل معه في وحدة طوعية في العام 1990م، وانهارت هذه الوحدة في حرب العام 1994، التي خرج منها الجنوب وممثلوه مهزومين على يد تحالف الشمال، بقيادة الرئيس السابق علي عبدالله صالح وحلفائه من الإسلاميين، بيد أن الحراك، قد بدأ عملياً في وقت مبكر جداً، إذ يشير بعض الكتاب في ذلك إلى المظاهرت الغاضبة والمنظمة التي انتفضت فيها مدينة المكلا في العام 1997، وبتنسيق وإشراف من قبل الكثير من الرافضين لحرب 1994 ورموزها وتحالفها ونظامها القائم، وعلى رأس هؤلاء المناضلين حسن صالح باعوم، أحد أهم مؤسسي الحراك الجنوبي والسلمي فيما بعد. بما يعني أن هذا الحراك المبكر، والذي ظهر في تسعينات القرن الماضي، كان سابقاً على الحراك الجنوبي بمختلف فئاته ومسمياته بأكثر من عشر سنوات.
في الوقت الذي عمل فيها علي عبدالله صالح على تدمير أي صوت جنوبي معارض بمختلف المستويات، إما بواسطة السجن والنفي والاغتيال، أو بواسطة الشراء وتوزيع المناصب الشكلية، أو بواسطة شراء الصمت، كان حسن باعوم من المناضلين القلائل الذين رفضوا الهروب من سلطات 1994، وفي الوقت نفسه، رفضوا التنازل لإملاءاتها، وجمع حينها بين الشجاعة في المواجهة، والقوة في الطرح الذي تميز بالسقف العالي المتجاوز لكل المطالب المجتمعية أو الحقوقية، والإبقاء على هدف التحرير والاستقلال منذ 1994 وحتى اللحظة، وقد دفع باعوم حينها ثمناً باهضاً متمثلاً بالسجن والنفي والتهديد بالقتل.
ليس الموضوع هنا دفاعاً عن باعوم بوصفه شخصاً، ولكنه يمثل شريحة من مناضلي الحراك الجنوبي، الذين امتلكوا موقفاً ثابتاً، ومبدأ ساروا عليه منذ اللحظات الأولى لرفض تواجد نظام 1994، الذي بني على أنقاض الوحدة الطوعية وحتى اللحظة، إذ يمثل ومعه بعض المناضلين، تياراً يضع المبادئ التي يتحركون عليها أسساً لتأطير مطالبهم السياسية، ولم يتنازلوا عنها حتى وإن كانت هذه التنازلات مغرية لدرجة إمكانية تحقيق أهدافهم، إذ يعلن صراحة رفض الوسيلة غير الجيدة، حتى وإن كانت تؤدي إلى النتيجة التي يريدها. هذا على افتراض أن التنازلات هذه بالفعل يمكن أن تؤدي إلى تحقيق مطالب الحراك الأساسية.
يمتلك باعوم موقفاً سياسياً واضحاً يتمثل في التحرير والاستقلال، ورفض الهيمنة والوصاية، وهو ما يعني أنه يبحث عن الاستقلالية للإرادة السياسية الجنوبية سواء كانت السيطرة على هذه الإرادة من قبل الشمال والقوى المتنفذة فيه، أو من قبل جهات خارجية أخرى، بيد أن خطه الاستقلالي هذا، لم يعجب الكثير، لا سيما تلك القوى الحراكية التي استسلمت لفكرة التنازل عن الكثير من الخطوط الفرعية، رغبة في تحقيق الغاية الأساسية، فأصبحت هذه القوى تردد ما يراد لها أن تقول من رمي التهم على باعوم ومن في شاكلته، عن تبعيته لإيران تارة ولقطر تارة أخرى، ولكن كيف لعاقل أن يقبل أن يتنازل باعوم، الذي رفض كل مغريات السلطة في أيام قوة ومنعة نظام 1994، ليصبح تابعاً لأنظمة سياسية غارقة في مشاكلها الداخلية والخارجية حتى النخاع، ويمكن أن تلفضه – لو كان الأمر صحيحاً - في أي لحظة.
إن خط باعوم السياسي واضح منذ البداية، ولم يحد من قوته ولا من إصراره مال ولا منصب ولا خوف، وعلى مدى 25 عاماً من النضال، لم يكسب باعوم فيها إلا مزيداً من الهم والمعاناة والمرض.
إن معاداة باعوم ورفاقه، ليست في صالح الحراك الجنوبي، ولا القضية الجنوبية، وإنما تأتي في إطار صراع أجنحة خارجية ترى في الجنوب ملفاً قابلاً للتوظيف في أي لحظة، ومهما كان الخلاف مع باعوم، فقد كان من الأفضل احتوائه أو على الأقل الصمت حتى لا يخسر الجنوب وأهله المزيد من المخلصين من أبنائه، في معارك جانبية هي معارك الآخر، وليست معركته الخاصة.
التعليقات