تعد المرأة والطفل في اليمن من أكثر الفئات الضعيفة والمعرضة للاضطهاد المجتمعي منذ زمن، إذ تكرس العادات والتقاليد الموروثة والتغيرات الاجتماعية السلبية الكثير من الممارسات التي تضع هذه الفئة في آخر اهتمامات المجتمع، بيد أن هذه الحرب قد عملت على مضاعفة المعاناة والدفع باتجاه المزيد من القمع والألم الذي يصل حد الخطف والقتل والتعذيب، ومصادرة الحرية في الاختيار، بما يجعل من الأمر أشبه بحرب أخرى، حرب غير مرئية، بيد أن المجتمع متواطئ معها من دون تذمر أو اعتراض في كثير من الأحيان.
ما من شك أن للحرب الفعلية الدور المباشر في تصعيد الحرب ضد هذه الفئات المهمشة، ولعل الأكثر وحشية الجرائم التي يتم ارتكابها من قصف للبيوت أو وسائل النقل أو الصالات، حيث يذهب ضحيتها مئات النساء والأطفال، كان آخرها الجريمة التي خلفها قصف القوات الجوية السعودية لباص مدرسي في محافظة صعدة، قضى فيه أكثر من 40 شخصاً معظمهم من الأطفال تحت سن 15 سنة.
إن هذه الجريمة المروعة هي نموذج لجرائم مشابهة على مستوى اليمن، إذ يجد الأطفال أنفسهم تحت نيران القصف الجوي من قبل القوات الجوية لطائرات «التحالف الخليجي»، كما يحصل كل يوم تقريبا في صنعاء وصعدة وعمران والحديدة، أو من قبل القصف الذي تتبناه القوات «الحوثية» على سكان محافظة تعز. فيما يتمثل الوجه الآخر للحرب على الطفولة، بتجنيدهم من المدارس والدفع بهم إلى ساحات القتال، في تفخيخ مباشر لهم ولمستقبلهم ومستقبل اليمن معهم.
كما أن هناك أشكالاً أخرى للحرب على الأطفال، تتمثل بظهور ما يبدو أنها أعراض جانبية للوضع الاجتماعي المتردي، حيث الاعتداءات الوحشية عليهم، وهي اعتداءات في الأغلب تأتي من ذوي هؤلاء الأطفال أنفسهم. يتفسخ الوضع الاجتماعي باتجاه التوحش وتنعدم مشاعر الرحمة وتتحول الأبوة أحيانا إلى فرصة للتعبير عن العداوة تجاه الأطفال، من دون رادع من قانون أو وازع من ضمير. فإذا كان القانون اليمني في الأصل لا يحمي الأطفال من الاعتداءات التي تأتي من الأقارب، فإن الحرب قد ضاعفت هذه المعاناة وأصبحت الجريمة التي ترتكب ضد الأطفال شبه يومية تقريبا، وما خفي عن وسائل الإعلام كان أعظم.
كما أن المرأة تتحمل الجزء الأكبر من أعباء هذه الحرب، متحملة مسؤولية تربية الأطفال أو باحثة عن الرزق، كما أنها تواصل تعاطي التمييز ضدها من قبل المجتمع الذي يعاملها بوصفها كائناً مفتقراً إلى العقل والدين، بحسب العرف الذي يجسد هذا المفهوم. غير أن هناك بعض الأعراف الاجتماعية التي تنظر إلى المعتدي على المرأة بأنه مرتكب لأفظع العار، وتعامل المعتدي بأنه فاقد للرجولة، ولهذه الأعراف فاعلية كبرى داخل المجتمع عملت نوعا ما على التخفيف من الكثير من الجرائم التي ترتكب غالبا في الحرب لا سيما الأهلية منها، غير أن الحرب يبدو أنها تنحو باتجاه تفسخ ما بقي من هذه القيم، إذ تنتشر مؤخرا أخبار اختطاف النساء أو الاعتداء عليهن، سواء من قبل الأهل أو من قبل الآخرين، لتقضي الحرب أخيرا على آخر ما بقي لها من شيء كان يتمنن عليها المجتمع به.
إن الحديث عن هذه الفئة المهمشة والمضطهدة في المجتمع اليمني، هو جزء من الحديث عن مستقبل البلد بشكل عام، فلا يمكن التخطيط لعبور المستقبل من دون احترام هذه الفئة وتأكيد الحفاظ على حقها في الحياة والحرية والمشاركة، فطفل اليوم هو رجل المستقبل، كما أن المرأة هي الشريك الأساسي في صنعه.
التعليقات