في خضم الحرب المشتعلة منذ أكثر من ثلاث سنوات، يشتد الجدل حول شكل النظام الذي ينبغي له أن يحكم اليمن في الفترة القادمة، ويأتي هذا الجدل نتيجة لمعطيات واضحة تمثلت في الاختلاف البنيوي داخل منظومة الأطراف المتصارعة في اليمن من حيث خلفياتها الأيديولوجية والفكرية والتي تستند إلى مرجعيات دينية متباينة، أظهرت أنها تستغل العاطفة الدينية من أجل تنفيذ رغبات سياسية دنيوية.
هذا الأمر أفرز أصواتاً قوية نحو المطالبة بنظام سياسي علماني، بوصف العلمانية هي الحل الأنجع لإدارة الدول بعيدا عن الاستقطابات المستندة إلى خلفيات ثقافية أو دينية أو عرقية، وجعلها المرجع الأساسي في الحكم، غير أن هناك عدداً من الإشكاليات تنعكس من خلال هذا الجدل، تتعلق بطبيعة الخلفيات الثقافية والفكرية التي تقف خلف هذه المطالبات ومن ثم تفرز تخوفا جديدا عن مدى مصداقية هذا الطرح الذي يروج له بوصفه حلا للتعامل مع الأزمة اليمنية.
هناك بعض الكتابات أو الأعمال الفكرية التي تؤكد أن الحل في اليمن يتمثل في اعتماد نظام سياسي يرتكز على مبادئ العلمانية لتكون الحل الأمثل الذي توصلت إليه البشرية وتجاوز حالات الاختلافات داخل المجتمع وإنشاء نظام ديمقراطي يعتمد المساواة ومبدأ المواطنة القائمة على الأنظمة والقوانين التي يشرعها الناس بناء على ما يجمعهم، وأن يكون الدين أو غيره من المعتقدات والموروثات الثقافية عناصر شخصية ترتبط بالأفراد وليس الدول وقوانينها، وقد تم مواجهة هذه الكتابات ومن يقوم بها بالتكفير حينا وبالتجريم والملاحقة من قبل الأنظمة حينا آخر، لا سيما بعد سيطرة الجناح الإسلامي على مفاصل الحياة الفكرية في اليمن بعد العام 1994، ولا يمكن أن ننسى كيف كانت كلمة العلمانية بمثابة التهمة العظيمة الذي يرفعها رموز تيار الإسلام السياسي في اليمن لوصف مخالفيهم سواء من الإشتراكيين أو غيرهم من الأحزاب الأخرى.
ظهرت مؤخراً ما تشبه الموجه في صفوف بعض الأفراد في تيار حركة الإسلام السياسي، لا سيّما جيل الشباب منه، ينادون بالعلمانية في اليمن لتكون البديل الأفضل لإدارة الدولة، بيد أن هذا الخطاب مخاتل ذلك أنه يحمل الكثير من المخاوف يتمثل في طبيعة النموذج الذي يمكن أنهم يقيسون عليه من أجل تحقيق هذه الغاية، إذ يضعون تركيا بوصفها البلد الإسلامي الأقرب إلى واقع المجتمع الملسلم كما هو في اليمن. تمثل العلمانية في تركيا حجر الزاوية في بناء الديمقراطية واستمراراها رغم العثرات الكبيرة التي تعيشها، كما أنهم ينظرون إلى أردوغان بأنه النموذج الأمثل لتمثيل هذه العلمانية، في حين أن الرجل يسعى بالبلد باتجاه الديكتاتورية من جهة كما أنه وحزبه يعملون على تمدمير الكثير من القيم العلمانية التي أوصلت أردوغان وحزبه إلى السلطة، ولا يخفي الكثير من الشخصيات الإسلامية احتفائهم بما يعمله أردوغان في هذا الجانب معتبرين أنه يتخذ من العلمانية وسيلة لتحقيق أهدافه في بناء دولة الخلافة الإسلامية، وهذا الأمر يقودنا إلى التخوف الكبير والذي يتمثل في إفراغ العلمانية من مضمونها.
يمتلك اليمن رصيداً كبيرة في تفريغ القيم من مضمونها وتأتي على رأسها الديمقراطية إذ كان لدينا مجالس نيابية ومحلية وانتخابات نيابية ومحلية ورئاسية، بيد أن الحقيقة أن كل هذه الهياكل الديمقراطية ما هي إلا وجاهات لمراكز نفوذ قبلي وديني، كما أن المتحكم الرئيسي في هذا المشهد هو مراكز النفوذ نفسها المسيطرة على البلد، ولا يمكن للانتخابات أن تقدم أو تؤخر شيئا إلا في شل المشهد، ونخشى أن يتم إفراغ هذا المصطلح من مضمون، وأن تكون جسرا لعبور تيارات معينة للسلطة بعد تخدير المواطن كما هو العادة بهذه المصطلحات الجديدة، بعد أن يغسلوها من غبار التلويث الذي أطلقته أجهزتهم الإعلامية ومنابرهم عبر عشرات السنين.
التعليقات