تظل القيم الإنسانية العليا هي الأصل مهما كانت الظروف أو التحولات والتقلبات التاريخية التي تلبس الحق بالباطل والجيد بالرديء، حتى ليقال عن الظلم إنه ضرورة لحكم بعض الشعوب وإن الناس في مجتمع ما لا يمكن أن يساسوا بالديمقراطية والحرية ذلك أنها تؤدي إلى الفوضى، وأن مجتمعاً معيناً يعشق الاستبداد والتسلط.
كل هذه الأحكام يمكن أن تكون لحظات مؤقتة لا تعدوا أن تكون فترة رد فعل تجاه موقف ما، ثم ستجد هذا الشعب أو ذلك يتحول إلى البحث عن الديمقراطية والحرية والعدالة والمساوة، ورفض الظلم والطغيان والتجبر والفساد وغير ذلك من القيم السلبية، مهما كلفه الأمر.
يحاول الشعب في جنوب اليمن، على سبيل المثال، أن يرسم ملامح مستقبله بهدوء، مستغلاً ما أمكنه من وسائل سياسية -على الرغم من صعوبة ذلك- في وضع معقد مليء بتقاطع مصالح داخلية أنانية ومصالح خارجية أكثر أنانية أيضا. ما يزال يعيش الناس ردَّات فعل الحرب التي عاشوها منذ العام 2015، وبعدما تخلصوا من سيطرة السلطة التي انفرد بها الشريك الشمالي في الوحدة، والذي سيطر على مقدرات البلد بعدما أزاح شريكه الجنوبي بعد العام 1994، بيد أن هناك طبقة انتهازية الآن تحاول أن تفرض على المجتمع في الجنوب رؤيتها الخاصة في الحكم مستغلة عاطفة الناس المتعطشين إلى الاستقلال وموزعة قيم الوطنية، من هنا يعتقد البعض أن المجتمع في الجنوب سوف يرضخ لإملاءات هذا الحاكم الوطني، لينفرد بالسلطة وإدارة البلد باستعمال مخدر الوطنية والاستقلال.
كما تستغل طوائف أخرى عاطفة الناس أيضا لتقبل التسلط والاستبداد المغلف بوهم انضمام الجنوب إلى دول «مجلس التعاون الخليجي»، أو لفكرة أن للجنوبيين مكانة خاصة في قلوب قادة «التحالف»، ومن ثم يعملون على تمرير مشاريع خاصة جدا على مقاس هذه الطائفة أو تلك، وعلى مقاس المصالح الخارجية التي لا تمت إلى مستقبل البلد بصلة، وتحت هذه الأوهام يتم تمرير الكثير من الأمور التي تناقض القيم الإنسانية، بل والعمل على تعزيز الاستبداد والظلم واستمرار الفساد والإفساد.
الاحتجاجات الأخيرة، التي لم تتجه نحو الحكومة الموصوفة بـ«الشرعية» فحسب، بدت في شكل الثورة ضد الاستبداد والفساد والتواجد الخارجي في البلد من قبل قوات «التحالف»، والتي تعمل الـ«بروباجاندا» في الجنوب على تصويرها في هيئة البطل المخلص، وتمجيدها حد إلغاء كل بطولات وتضحيات أبناء البلد أنفسهم. وهو ما يعني أن نزعة التحرر ورفض الظلم والتسلط ليس لها سقف، ومهما كان القبول بوضع معين أو بأشخاص لأنهم جزءً من الثورة ضد الماضي فإن هذا القبول ما هو إلا قبول مؤقت، لن يعدو أن يعود الإنسان إلى طبيعته باحثاً عن فضاء الحرية الذي لا يخنقه أفق.
تتجه الاحتجاجات صوب التعبير عن الرفض المجتمعي لاستغلال السلطة تحت ستار الوطنية، والتوجه نحو خدمة المواطن بوصفه هو الهدف الأساسي للثورات، إذ ليس الهدف تغيير مستبد بمستبد، وإنما الهدف هو البحث عن طريق صحيح للانطلاق بالمجتمع نحو التقدم ومحاولة اللحاق بركب العالم، وهو الدرس الذي ينبغي على الجميع أن يعيه حتى لا نخسر المزيد من الوقت والجهد والأمل أيضاً.
التعليقات