بعد أكثر من عامين على ممارسة الخلاف بين فرعي تنظيمي «القاعدة» و«الدولة» في اليمن، عبر الإصدارات المرئية والمقروءة والمسموعة، وعلى صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، تطَّور الأمر إلى مواجهات مسلحة، كما حدث في محافظة البيضاء، وسط اليمن، منتصف الشهر قبل الماضي.
وأثار أول صدام مسلح بين الفرعين، كثيراً من التساؤلات عن بقائه خلافاً نظرياً طوال الفترة الماضية، وعن أسباب ودوافع تطوَره، وعن مستقبله في ظل ظروف طرفيه وفي ظل الظروف التي يعيشها اليمن، نتيجة للحرب الدائرة فيه منذ مارس 2015 بين «التحالف العربي» بقيادة السعودية، وحركة «أنصار الله».

في الجز الأول من ثنائية («القاعدة» و«الدولة» باليمن... من الانشقاق إلى الصدام المسلح) سنتناول واقع الحال قبل الخلاف مروراً بالانشقاق وصولاً إلى الخلاق من دون صدام.

ما قبل الخلافة
إلى ما قبل العام 2013م، كان تنظيم «قاعدة الجهاد في جزيرة العرب»، الذي يتخذ من اليمن مقراً له، أقرب إلى تنظيم «دولة العراق الإسلامية» منه إلى «القاعدة».
حينها، لم يكن هذا القرب يزعج القيادة العامة لـ«القاعدة»، لأن الخلافات بين التنظيمين لم تكن قد ظهرت بعد، ولم تكن أيضاً متوقعة.
وبسبب هذا القرب، كانت حركة التنقل للجهاديين بين اليمن والعراق أكثر من غيرها، وفقا لمعلومات خاصة من مصادر وثيقة الإطلاع.
بعد أن أعلن تنظيم «دولة العراق» حل نفسه؛ للاندماج مع «جبهة النصرة» في سوريا تحت مسمى «الدولة الإسلامية في العراق والشام»، وهو الدمج الذي رفضه زعيم «الجبهة»، وأعلن بيعته للظواهري، اتخذ فرع «القاعدة» في اليمن موقفاً رمادياً، مع ميول طفيف إلى «الدولة» ظهر جلياً في بيانه الذي صدر تحت عنوان «رسالة إلى الفصائل المجاهدة في الشام»، والذي جاء كرد غير مباشر على المهلة التي أعطاها "أبو محمد الجولاني، لعناصر «الدولة» للانسحاب من مناطق في حلب السورية قبل البدء بقتالهم.
هذا الموقف عزز التوقعات السائدة بحتمية مبايعة فرع «قاعدة» اليمن لتنظيم «الدولة» بعد إعلان الأخير قيام «الخلافة الإسلامية».
ما جعل هذه التوقعات ترتقي إلى مرتبة قريبة من اليقين، هو أن فرع «القاعدة» اليمني لم ينكر على بعض قادته المجاهَرة بمناصرة تنظيم «الدولة»، وبالدعوة إلى مبايعته، كالقيادي الدعوي البارز مأمون عبد الحميد حاتم، الذي سجل كلمة صوتية بعنوان «النصرة اليمانية للدولة الإسلامية» وكتب، عبر صفحته على موقع «تويتر»، الكثير من التدوينات المؤيدة لكل ما أعلنتْه منذ خلافها مع «النصرة».
غير أن «قاعدة اليمن» تأخرت أشهراً قبل أن تعلن عن موقفها من الخلافة، والذي جاء على عكس كل التوقعات.
الإعلان لم يكن مجرد رفض للبيعة، بل ذهب أبعد من ذلك، حين أكد، عبر بيان تلاه القيادي الشرعي حارث النظاري، أن خطوة إعلان الخلافة أحادية، وتنطوي على مخالفات شرعية، عدا عن كونها من أسباب شق الصف الجهادي.
وعلى ما يبدو، كانت قيادة «قاعدة اليمن» قد اتخذت هذا الموقف قبل الإعلان عنه بزمن، لكنها حرصت على تهيئة الأجواء الداخلية لتقبله، وذلك عبر دورات خاصة أوكلت إلى ثلاثة من قادة التنظيم المؤثرين هم: إبراهيم الربيش، حارث النظاري، أبو زكريا.
الدورات ركَّزت على أهمية الالتفاف حول أهل السبق في الجهاد، وضرورة احترامهم وإجلالهم والدفاع عنهم. وفي التركيز على هذه النقطة إدانة غير مباشرة لقيادات تنظيم «الدولة» بعد مهاجمة ناطقه الرسمي، أبو محمد العدناني، للظواهري، واتهامه له بالانحراف عن نهج الجهاد، في كلمة صوتية بعنوان «عذرا أمير القاعدة».
الانشقاق
لم يكن أمام أعضاء القاعدة غير المقتنعين بهذا الموقف سوى الانشقاق وإعلان البيعة لأبي بكر البغدادي، أواخر العام 2014م، ليأتي الرد من العراق بالإعلان عن قبول البيعة وتمدد «دولة الخلافة» إلى اليمن.
انشقاق مجموعة صغيرة للغاية كان يعني، بالنسبة إلى «القاعدة»، النجاح في إدارة الانقلاب على الماضي، أو في مواجهته، دون خسائر كبيرة.
وعلى الرغم من أن هذا الانشقاق يعني وُلود فصيل جهادي منافس يتمتع مركزه في العراق وسوريا بإمكانات مادية وبشرية هائلة، إلا أن «القاعدة» لم تبدِ قلقاً كبيراً منه، ويبدو أنها راهنت على عدة أمور، أولاها، طابع التنظيم العنيف الذي لا ينسجم مع طبيعة المجتمع اليمني.
ثانيها، التحصين بما يكفي لعناصرها قبل إعلان الموقف من الخلافة.
ثالثها، الاختراق لتنظيم «الدولة» عن طريق أعضاء وقادة أدعوا الانشقاق.
تمييز
منذ إعلان الموقف من الخلافة، وما تبعه، أو اقتضاه من انشقاق واختلاف، حرصت «قاعدة اليمن» على تمييز نفسها عن فرع تنظيم «الدولة»، من خلال تبني منهجية جهادية رأت أنها أكثر اعتدالاً.
في هذا السياق، أصدرت «القاعدة» بيانات لإعلان البراءة من بعض عمليات تنظيم «الدولة»، كاستهداف الخصوم داخل المساجد، مثل ما حدث في صنعاء، كما تخلت عن أساليب كانت تتبعها، كالقتل ذبحاً، بعد أن اشتُهرتْ به «الدولة»، إضافة إلى أمور كثيرة أخرى.
اقتضى هذا الأمر أيضاً أن تتخلى «القاعدة» عن السيطرة على المدن بغرض حكمها، واقتصر تحركها، في هذا الجانب، على الإسقاط المؤقت للمدن، بعد مهاجمة أهداف عسكرية وأمنية داخلها، وعلى ملء أي فراغ للسلطة فيها، كما حدث في مدينة المكلا، عاصمة محافظة حضرموت، جنوب شرقي اليمن، مطلع العام 2015، حين دخلت المدينة وسلَّمتها، شكليا، لمجلس أهلي من أبنائها، لكنها بقيت تحكم وتقدم نفسها كجهة تمارس الاحتساب «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» وليس كسلطة.
حينها، كان إعلان الخلافة ورفضه نقطة الخلاف الوحيدة بين الفرعين في اليمن، قبل أن يطلب أبو محمد العدناني، من أفرع تنظيم «القاعدة» تحديد موقف من انحرافات عقدية لقيادة التنظيم، مثل التضامن مع حاكم يؤمن بالديمقراطية، في إشارة إلى الرئيس المصري السابق محمد مرسي، ليُلحق الفرع بالأصل، والفرع والأصل بـ«الإخوان المسلمين» في الحكم.
أما «قاعدة اليمن»، فقد كانت بحاجة إلى وضع الخلاف في قالب عقدي، لتبرير مواقفها الأخيرة، ولكي لا تخسر المزيد من أعضائها أو حماسهم في أية مواجهات مقبلة. وراهنت في ذلك على ردود الفعل العنيفة لتنظيم «الدولة»، والتي أتاحت لها الحديث عن التكفير ومنهج الخوارج.
خلافات دون صدام
الخلافات بين التنظيمين أخذت في التصاعد رغم عدم وجود مستجدات تستدعي ذلك، خصوصاً من جانب «قاعدة اليمن» التي احتاجت، في سبيل تبرير التحاقها بباقي أفرع «القاعدة» وقيادتها العامة في الموقف العقائدي من تنظيم البغدادي، إلى القول إن الأخير كشف عن «مخبوء العقائد»، كما ورد في كلمة للقيادي البارز خالد باطرفي، رداً على كلمة للعدناني بعنوان «ولو كره الكافرون».
وعلى الرغم من أن الخلافات وصلت حد إصدار أحكام بالتكفير والتبديع، إلا أنها لم تتطور إلى صدام مسلح، كما كان عليه الحال في سوريا، لظروف خاصة بالتنظيمين وباليمن.
وبالنسبة إلى تنظيم «القاعدة»، لا يبدو أنه كان بحاجة إلى الدخول في حرب مع تنظيم الدولة، لأن وجود الأخير بهذا الشكل لا يهدده، كونه يحمل أسباب فنائه في داخله، من وجهة نظر بعض قادته، ولإدراكه بأن قدرات التنظيم لن تمكنه من ترجمة مواقفه العدائية إلى واقع عملي.
(... يتبع)

التعليقات