بعد أكثر من عامين على ممارسة الخلاف بين فرعي تنظيمي «القاعدة» و«الدولة» في اليمن، عبر الإصدارات المرئية والمقروءة والمسموعة، وعلى صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، تطَّور الأمر إلى مواجهات مسلحة، كما حدث في محافظة البيضاء، وسط اليمن، منتصف الشهر قبل الماضي.
وأثار أول صدام مسلح بين الفرعين، كثيراً من التساؤلات عن بقائه خلافاً نظرياً طوال الفترة الماضية، وعن أسباب ودوافع تطوَره، وعن مستقبله في ظل ظروف طرفيه وفي ظل الظروف التي يعيشها اليمن، نتيجة للحرب الدائرة فيه منذ مارس 2015 بين «التحالف العربي» بقيادة السعودية، وحركة «أنصار الله».

في هذا الجزء، الثاني والأخير، من ثنائية («القاعدة» و«الدولة» باليمن... من الانشقاق إلى الصدام المسلح) سنتناول حرب «التحالف» مروراً بوجود «الدولة» في البيضاء، والصدام المسلّح، انتهاءً بتوقيت المواجهة.

حرب التحالف
منذ منتصف العام 2015، انشغل التنظيمان باستثمار الحرب الدائرة في المحافظات الجنوبية، بين قوات «التحالف العربي» والتشكيلات العسكرية المحلية الموالية، من جهة، وحركة «أنصار الله»، من جهة أخرى، وهو الأمر الذي أدى إلى تراجع الخلاف، نسبياً، بين الطرفين.
انخرط تنظيم «القاعدة» في القتال ضمن صفوف «مقاومة عدن»، التي تشكّلت بصورة عفوية من أبناء الأحياء، أما تنظيم «الدولة» فقد قاتل منفرداً، لموقفه من القتال إلى جانب «القاعدة» و«المقاومة»، ولأن هذا ما تقتضيه سياسته الأمنية.
ولأن «المقاومة» كانت، في بادئ الأمر، مجرد أفراد ولم تكن جسماً وهيكلاً تنظيمياً، فقد عاد أفرادها إلى منازلهم فور «تحرير عدن»، ليصبح النفوذ في عدد من مديريات المدينة للقليل المُنظَّم.
على خلاف تنظيم «الدولة» الذي ظهرت عناصره بشكل علني في المدينة ومارست دور السلطة، انطلاقاً من أدبياتها الخاصة، حرصت «القاعدة» على عدم الظهور، سواء عبر التدخّل في الشؤون العامة أو من خلال تنفيذ عمليات.
في هذا السياق، رأت «القاعدة» أن عمليات تنظيم «الدولة» ضد مسؤولين في «الشرعية» بعدن، تتنافى مع «السياسة الشرعية» التي يجب أن تُتبع في مثل هذه الظروف، ولهذا نفذت عمليات محدودة ضد منتسبين لأجهزة المخابرات، من دون أن تعلن مسؤوليتها عنها.
ومع تصاعد المطالب الشعبية بتطبيع الأوضاع الأمنية في عدن، والحديث عن تنامي نفوذ التنظيمات الإرهابية في المدينة، قاد «التحالف» الذي تتزعمه السعودية، مطلع العام 2016، عمليات أمنية وعسكرية ضد التنظيمين.
وفيما انسحب عناصر «القاعدة» من منصورة عدن وحوطة لحج إلى أبين وشبوة وحضرموت، التي كانت مناطق واسعة منها خاضعة لسيطرته، انسحب عناصر تنظيم «الدولة» إلى مديرية يافع، التابعة للحج.
خلال العام 2016، انسحبت «القاعدة» من مدن رئيسية في محافظات أبين وحضرموت وشبوة، إثر عمليات عسكرية لقوات محلية مدعومة من «التحالف». ولأسباب غير معروفة، غادر تنظيم «الدولة» مديرية يافع إلى مناطق في محافظة البيضاء، أهم معاقل «القاعدة» حالياً.

في البيضاء
انحصر تواجد تنظيم «الدولة»، بعد ذلك، في محافظة البيضاء، أما تنظيم «القاعدة»، فعلى الرغم من انسحابه من مدن رئيسية تابعة لمحافظات جنوبية، إلا أنه مازال يتواجد بمناطق نائية تابعة لذات المحافظات، إضافة إلى تواجده في بعض جبهات «المقاومة»، بحسب ما أكده زعيم التنظيم الحالي، أبو هريرة الصنعاني، وقبله القيادي الميداني جلال بلعيدي المرقشي.
وعلى خلاف ما كان متوقعاً، لم يقد وجود التنظيمين في محافظة واحدة إلى صدام مسلح، في بادئ الأمر، بل إن عناصرهما اشتركا، أواخر العام 2017، في عملية عسكرية واحدة ضد «الحوثيين» بمنطقة الظهرة التابعة لمديرية القريشية في البيضاء، لكن دون تنسيق.
ويُرجع مصدر مقرّب من «القاعدة» تراجع الخلاف، خلال تلك الفترة، إلى تأثر تنظيم «الدولة» في اليمن بخسارة مركزه في العراق وسوريا لمعظم المناطق التي سيطر عليها، في إشارة إلى أنه كان الطرف المثير للمشاكل.

صدام مسلّح
مع دخول قوات «الشرعية» على خط المواجهات ضد «أنصار الله» في محافظة البيضاء، بعد استعادتها السيطرة على مديريتي بيحان وعسيلان التابعتين لمحافظة شبوة، مطلع العام الجاري، توقفت عمليات «القاعدة» وعاد خلافها مع تنظيم «الدولة».
تؤكد مصادر مقرّبة من «القاعدة» أن سياستها الحالية تقتصي التوقف عن القيام بعمليات في المناطق التي تخاض فيها معارك ضد «الحوثيين»، حتى لا تلفت نظر الغرب إلى الحرب التي تهمه على حساب الحرب التي تهمها، على حد وصفها.
غير أن هذه السياسية استثنت، على ما يبدو، تنظيم «الدولة»، ففي منتصف يونيو الماضي، اندلعت مواجهات عنيفة بين التنظيمين في مناطق تابعة لمديرية القريشية بالمحافظة.
المواجهات اندلعت بعد إشاعة خبر إعدام تنظيم «الدولة» 12 عنصراً من «القاعدة» كان قد احتجزهم بعد رفضهم التوقف عند نقطة تفتيش خاصة به، وفقاً لمصادر مطلعة.
وعلى الرغم من أن المواجهات انتهت بسيطرة «القاعدة» على عدد من المواقع، إلا أنها توعدت باستئصال «خوارج البغدادي» من المحافظة، بحسب توضيح كتبه قيادي يدعى مصلح المهاجر، عقب مواجهات القريشية.
التوضيح، الذي تقول المعلومات إن كاتبه قيادي بارز، أشار إلى أن «القاعدة» اضطرت لمواجهة «الخوارج» بعد استفزازاتهم المستمرة.

لماذا الآن؟
على الرغم من أن «قاعدة اليمن» فضَّلت التجاهل في التعامل مع استفزازات تنظيم «الدولة»، طوال الفترة الماضية، إلا أنها قررت، أخيرًا، المواجهة والاستئصـال.
وعلى ما يبدو، وجدت «القاعدة» أن الفرصة أصبحت مواتية للانقضاض على خصمها، واتخذت من قضية المحتجزين لديه مبرراً لذلك.
إلى جانب أن وجود تنظيم «الدولة» بات منحصراً في نطاق جغرافي محدود بمحافظة البيضاء، لم يعد بمقدوره الانتقال إلى مناطق في محافظات أخرى، كما كان عليه الحال قبل أكثر من عام، وذلك لوقوع كل المناطق في باقي المحافظات، وخصوصاً المجاورة منها للبيضاء، تحت سيطرة ونفوذ أطراف الصراع في اليمن، بما يعنيه ذلك من إجراءات أمنية اقتضتها الحرب، إضافة إلى أن التنظيم، وعلى خلاف «القاعدة»، غير منسّق أو متفاهم مع جهات في «الشرعية».
من غير المستبعد أيضاً أن تكون عمليات «القاعدة» الأخيرة ضد تنظيم «الدولة» في البيضاء قد تمت بتنسيق مع محسوبين على «المقاومة الشعبية»، حتى لا يتحول وجود التنظيم إلى عائق في طريق عمليات «التحالف» و«الشرعية» ضد «جماعة الحوثي»، على اعتبار أن الأولوية تعطى دوماً لحرب الإرهاب، عدا عن كون الأطراف التي تقاتل «الحوثيين» من أهداف التنظيم المشروعة.
من هنا، لا يبدو أن التفاوت في ميزان القوة مشكلة تنظيم «الدولة» الوحيدة في اليمن، وعليه، إلى جانب التوقف عن استفزاز «القاعدة»، أن يتحمّل كل استفزازاتها مستقبلاً.

التعليقات