تأخذ العداوة مداها بين فرقاء السياسة والدين والإيديولوجيا في اليمن، فيتحاربون ويتصارعون، بيد أن لهم جميعاً عدو وضحية مشتركة هو المواطن البسيط، حيث يتفقون على خنقه ومحاربته في قوته، ومحاصرته في كل ما لديه، يدعون جميعاً أنهم وجدوا من أجل الوطن ومن أجل خدمة الناس، وأنهم إنما يتحاربون ليعملوا من أجل تقدمه ورفعته في حين أنهم يتبعون برنامجاً موحداً تقريباً تجاه المواطن، وهو برنامج استغلاله وقتله بالتجويع والترويع واستغلال ما لديه حتى ولو كان معدماً.
تختلف القوات والتوجهات التي تسيطر على المناطق المختلفة في اليمن، وتتعدد الرؤى، وتختلف الإمكانات بحسب بطيعة القوى المسيطرة، لكن القاسم المشترك الذي يوحد اليمنيين جميعا في هذه الأيام هو انعدام المشتقات النفطية، فعلى الرغم من وجود أطراف مختلفة في هذه اللعبة، فإن ما يعانيه المواطن حالياً في المكلا هو ما يعانيه بصورة مباشرة المواطن في صنعاء أو إب أو عمران، وكأن التجارة الاستغلال للمشتقات النفطية أمر فوق مستوى الخلافات، وفي حين تنتفخ جيوب تجار النفط وسماسرته، تتهتك أجساد الناس ليس من انعدامه ولكن من التلاعب بأسعاره، وفتح الأسواق السوداء التي تستنفذ الطاقة المتبقية لدى الناس. 
الأمر الآخر هو التلاعب بسعر الصرف، والإسهام بصورة سلبية في تدهور سعر العملة الوطنية مقابل العملات الصعبة الأجنبية، حيث بدأ الريال اليمني يفقد قيمته بشكل دراماتيكي فاقدا أكثر من 100% من قيمته في أقل من شهرين، وهذا أمر موحد يدفع ثمنه كل المواطنين وفي كل مكان، بغض النظر عن طبيعة الجهة العسكرية أو السياسية التي يقع تحت حكمها، ولا يبدو أن هناك أي أفق لمعالجة هذه المشكلة لعدة أسباب أهمها، أن أصحاب القرار في هذا الأمر يتقاضون فوق ما يستحقون من مرتبات وحوافز وعلاوات إضافة إلى ما يحصلون عليه من صفقات الفساد وبالعملة الصعبة، أما الأمر الآخر فهو أن أغلب المتحكمين بالمواطنين هم مستفيدون من تدهور العملة إما لامتلاكهم عملات صعبة أو لأنهم يشتغلون بالتجارة والاستثمار على حساب الناس واحتياجاتهم.
ويتفق أغلب التجار في معظم مناطق اليمن على احتكار السلع الغذائية والتموينية والتلاعب بأسعارها في ظل تدهور مخيف للاقتصاد وللحالة الاقتصادية للمواطنين، دون أن يكون هناك أي دور للسلطات الحاكمة سواء في صنعاء أو عدن أو مأرب أو حضرموت، وكأنما أن هذا هو شكل اليمن النموذجي الذي يحاول الجميع الحفاظ عليه.
الأمر الآخر الذي يتفق عليه الجميع حتى الإقليم والمجتمع الدولي وهو الصمت المطبق على انتهاكات حقوق الإنسان والقبول باستمرار الحصار على اليمن واليمنيين، دون مراعاة لوجود أكثر من 25 مليون تحت تهديد مباشر للمجاعة والأوبئة والموت، لم يسبق أن تتفق المليشيات المسلحة وأجهزة الدولة والتحالفات الإقليمية والمجتمع الدولي على هذا القاسم المشترك، يتم محاربة المواطن اليمني في أرضه كما ترفض أغلب الدول استقباله، ولم تضع الأمم المتحدة حتى الآن اليمن تحت بند الاستجابة الإنسانية العاجلة، إذ يتم التعامل مع اليمنيين قانونيا وكأنها دولة طبيعية لاتعاني من أي مشكلة وفي الواقع  يرفضون منح أي يمني فيزا إلى أي مكان، ما يجسد قمة التناقض المحلي والدولي الذي يدفع ثمنه المواطن.
إنه لأمر رهيب حقا أن ترى هذا التوافق العجيب على جعل كل ما يؤذي الناس على الحياد، إذ نرى التواطؤ على أن يعبر الفساد والظلم كل النقاط والحدود بدون تفتيش وعلى عراقيل، ويتم وضع القيود والحدود فقط على المواطن البسيط الذي يدفع ثمن هذه الحرب بدون حول ولا قوة.

التعليقات