سقطرى ليست مجرّد جزيرة فقط، إنما هي قيمة حضارية وطبيعية وثقافية واجتماعية، تمتدّ على مساحة أكبر من مساحة البحرين وسنغافورة بأربع مرّات، كما أنّها تسمّى المنطقة الإيكولوجية ذات الأولوية العالمية، حيث يوجد مئات الأنواع من الطيور والحشرات والنباتات البرّية والبحرية النادرة، التي ليس لها وجود في مكان آخر سوى هذه الجزيرة. وسقطرى مكان يضع فيه التاريخ بصماته في جينات البشر، وفي ثقافتهم ولغتهم وعاداتهم وتقاليدهم. فقد استقطبت منذ القدم البعثات العلمية من جامعات ومراكز بحثية أوروبية وغربية، من روسيا وبريطانيا وألمانيا والمجر وغيرها، في الوقت الذي ظلّت فيه اليمن المسيطرة على هذه الجزيرة تنظر إليها عبئاً عليها، وتتفضّل بالمناسبات بذكر مشاريعها الهشّة، التي لا تتعدّى طريقاً هنا أو مشروع لسان بحري هناك، تأتي الريح فتغلقه لأكثر من أربعة أشهر.
تعيش سقطرى الآن مأساتها، ولا تجد من يستمع إلى هذه المآسي، وإن حاولت بعض الجهات مساعدتها، ولكنّها، على الرغم من ذلك، لم تحاول أن تتفهّم ماذا تريد هذه الجزيرة، وكيف يمكن أن تحوّل من منطقة تستجدي المساعدات إلى مكان يعتمد على ذاته، بل ويقدّم المساعدة إلى غيره، دون أن تفقد خصائصها البيئية والثقافية والفكرية التي تجعلها منطقة جذب سياحي عالمي، محافظ على نقاء فطرته الطبيعية، التي تتميّز عن غيره من الأماكن في العالم.
سقطرى لم تعش الآن تبعات حرب وجدت نفسها تكتوي بنيران أطرافها فقط، بل مازالت تعاني من آثار إعصارين مدمّرين قضيا على الكثير من الممتلكات الخاصّة والعامّة داخل الجزيرة، وحوّلا الكثير من الأسر إلى معدمين بعد أن قضيا على ممتلكاتهم سواء كانوا من الرعاء وأصحاب المواشي أو الصيّادين، كما يعاني البعض الآخر من الكثير من الأمراض التي تخلّفها غالباً الأعاصير والتقلّبات المناخية. فهناك إعصار الطبيعة وما خلّفه، وإعصار الحرب الذي جعل هذه الجزيرة عبارة عن منطقة مغلقة عن العالم، وأكثر من 100 ألف من سكّانها يعانون العزلة عن الوجود، أكثر من 14 شهراً، دخلت فيها الرحلات الجوية لمرّات معدودة، عدا الرحلات الجوية التي تقوم بها بعض دول التحالف، أو تلك التي قامت بها سلطنة عمان عند تقديم بعض المساعدات العاجلة بعد الإعصار.
تتوجّه الأبصار في اليمن الواقع تحت الحرب إلى تلك المناطق، حيث الإعلام يسلّط أضواءه عليها في حين لا أحد ينظر إلى سقطرى. أكثر من عامين والجزيرة بدون مادّة غاز الطبخ، وهو ما يجعل السكّان يعتمدون على الإحتطاب الذي سيؤدّي بدوره إلى القضاء على الغطاء النباتي في الجزيرة، مصدر تميّزها وفرادتها الوحيد، ناهيك عن أن الدخان ذاته يعمل على التأثير على المناخ والبيئة المحيطة. لا يمكن في هذه المساحة المحصورة ذكر كلّ ما يعانيه الناس هناك. ليس أقلّ ما يمكن الإشارة إليه معاناة الناس في حياتهم المعيشية، حيث لا يستطيع الكثيرون، ممّن يحتاجون إلى العلاج خارج الجزيرة بسبب انعدام الخدمات الطبّية، الخروج جرّاء توقّف الرحلات الجوّية، وتظلّ الوسيلة الوحيدة هي القوارب الخشبية، التي تستعمل غالباً للصيد، في رحلات محفوفة بالمخاطر، إذ عليها أن تأخذ أكثر من 400 كلم في أعماق البحر العربي، الذي يكون في مثل هذه الأوقات عرضة للعواصف والتقلّبات قبل أن تغلقه الرياح بصورة نهائية حتى أواخر سبتمبر... لا أغذية، ولا خدمات، ولا أدوية.
حين يريد الإنسان السقطري أن يعبّر عن شكواه فلا يدري إلى أين يتّجه بها، هل إلى الحكومة التي تقول إنّها شرعية؟ أم إلى دول التحالف التي تقاتل من أجل استعادة السلطة الشرعية، أم إلى الحوثيّين وصالح، الذين انقلبوا على الشرعية وأصبحوا سلطة الأمر الواقع في عاصمة الدولة، أم إلى المجتمع الدولي الذي لا يتعامل إلّا مع السلطة الشرعية؟
سقطرى مثلما لم تجد من ينقذها فهي أيضاً لم تجد من ينتبه لمعاناتها، ويعرض تلك المعاناة للعالم. فسقطرى لا تهمّ اليمن فحسب (وهي التي لم تهمّها في الأصل)، سقطرى قيمة حضارية وإنسانية وثقافية ينبغي على العالم أن يقدّم لها ما يستطيع أن يقدّمه، وينقذ فيها ما يمكن إنقاذه، قبل أن نعود للندب الحظ الذي أفلتناه من أيدينا. والرسالة في المقام الأوّل إلى كلّ الكتّاب والمفّكرين والناشطين لتوجيه حملات منظّمة، تنزع إلى البحث عن معاناة الناس والطبيعة في تلك الأرض البكر، وعرضها على العالم لعلّه يفعل شيئاً. فإذا لم ننتصر لها فمن سينتصر؟
التعليقات