على الرغم من صعوبة تأكيد وجود صحافة وإعلام مهني ومستقل، وغير منحاز لأي أهداف خاصة أو عامة، فإنه يمكن التأكيد على وجود صحافة حرة تتمتع بقدر كبير من المهنية والمصداقية، إذ تحاول قدر الإمكان أن تبعد نفسها عن الحسابات الخاصة بالأفراد أو الجماعات، وتنحاز للنظام والقانون الإنساني المحلي والدولي. وهي بذلك لاتؤدي دوراً مستقلاً بها فحسب، بل إن هذه الصحافة يمكن أن تسهم بشكل مباشر في الحفاظ على توازن المجتمعات، والسير بها بشكل إجباري باتجاه تحقيق العدوالة والمساواة وحقوق الإنسان. وبصورة مقابلة، فإن الصحافة الفاسدة أو المنحازة والموجههة، تعمل على تدمير المجتمعات أو الكثير من القيم الإيجابية فيه. 
في الوقت الذي يصمت فيه العالم بشكل رسمي، على ما يتعرّض له اليمن من إبادة وقتل وتجويع وحصار داخلي وخارجي، فإن هناك تحركات إعلامية وصحافية عالمية باتجاه كشف الكثير من الاختلالات التي أدت وتؤدي إلى هذه الكارثة الإنسانية، غير أن هناك نوعين من المؤسسات المشار إليها، النوع الأول وهي المؤسسات الإعلامية والصحافية التي تدعي الاستقلالية، وهي تخدم جهات ما بعينها وهذه تتعامل بانحياز، أو قل تتعامل مع موضوعات معينة داخل الأزمة اليمنية بما يخدم أهدافها، ومؤسسات إعلامية مهمتها كشف الحقائق والدفاع عن حقوق الإنسان، والوقوف إلى جانب القضايا الإنسانية العامة.
في الوقت الذي وقفت صحافة العالم على رجليها في قضية الصحافي السعودي المغيب جمال خاشقي، وتناولت هذه القضية بوصفها أكبر جرائم المملكة، كانت هناك مؤسسات صحافية أخرى تتناول الصمت العالمي على ما يحدث في اليمن، ليس أقلّه وقوع ملايين اليمنيين في مجاعة لم يشهدها البلد منذ 100 عام. وإن كان الصوت الإعلامي المحلي غير قادر على تفكيك الأزمة، أو حتى الوقوف في وجه الاختلالات والانتهاكات المرتكبة من أطراف الصراع، فإن مثل هذه المؤسسات الإعلامية التي تنحاز لإنسانيتها يمكن أن تسهم في تخفيف هذه الإعباء إن لم تستطع أن تساهم في القضاء على الحرب.
الموضوع الآخر والأكثر خطورة، وهو ما كشفت عنه الصحافة الأميركية من دور مشبوه للقوات الإماراتية في عدن، والتي بحسب التحقيق الذي أجراه موقع «بازفيد» الأمريكي، والذي توصل إلى أن القوات الإماراتية قد جندت مرتزقة للقيام بعمليات اغتيالات لعدد من قادة حزب «الإصلاح» اليمني في عدن، بعد تحرير المدينة من القوات الحوثية في العام 2015، وهذا السبق الصحافي لم يكن له أن يتحقق لولا وجود عدد من العوامل، أهمها الحرية، وثانيها وجود إمكانات مادية كبيرة لدى الموقع، تمكنه من الصمود باتجاه كشف الحقيقة. لقد استطاع هذا الموقع الأمريكي أن يتوصل إلى حقائق في الأرض اليمنية، في حين أن الصحافة اليمنية غير قادة تماماً على القيام بمثل هذه الأعمال، ذلك أن هذه المؤسسات اليمنية غير مؤهلة وغير قادرة على مواكبة المطلوب منها، لذلك باختصار يمكن القول: إن صحافة حرة ولو كانت بعيدة عن أرض الحدث، فإنها أفضل بكثير من مؤسسات صحافية لا تسهم إلا في تبرير المشكلات وتشويه الواقع بشكل أكبر.

التعليقات