في ظل الصراع المحتدم حالياً في اليمن، وبالنظر إلى الضغوط الدولية المتزايدة التي تدفع باتجاه إنهاء هذه الحرب التي تبدو مكلفة على أهلها في اليمن، ولكنها قد تفتح أبواب أخرى للجحيم على العالم المتفرج أيضاً، في ظل كل هذا يمكن القول إن الحرب وإن طال أمدها فإنها منتهية لامحالة، غير أن القلق يتعلق بمستقبل البلد ما بعد هذا الصراع، حيث لن يكون أمام اليمنيين سوى خيارين، الأول يتمثل في امتلاكهم زمام أمرهم والاتجاه نحو الحل الداخلي الذي يؤسس لدولة مدنية حديثة ومتحررة من أي تبعية للخارج، والآخر العودة إلى زمام التبعية مرة أخرى، بعد التشبث بمرجعيات خارجية جديدة مؤثرة وبقوة في المشهد اليمني.
عاش اليمن الحديث منذ مرحلة ستينات القرن الماضي بعد ثورته ضد الإمامة في الشمال والوجود الإنجليزي في الجنوب في ظل حكم وطني شكلي يدين بالتبعية لأطراف خارجية تأتي على رأسها المملكة العربية السعودية ومصر والاتحاد السوفيتي. غير أن هذا البلد الهش لم يستطع أن يؤسس أركان حكم وطني ثابت بسبب هذه التبعية للخارج، إذ ظل موئلا للصراعات والحروب الداخلية ذات الامتدادات الخارجية، وزاد الأمر تعقيداً حتى وصل إلى الانفجار الكبير في العام 2014، ومازال حتى اللحظة.
ربما يمكن القول إن هذه الحرب الأخيرة تمثل أكبر صراع دولي بغطاء محلي في اليمن، إذ تجتمع فيه دول إقليمية كبرى تمثل الأطراف الأساسية فيها المملكة العربية السعودية والإمارات وإيران، لذلك فإن المحادثات المتوقعة لإنهاء هذه الحرب –إن لم يحصل متغير في المعادلة وإذا لم تخرج الاعتبارات الخارجية- ستدخل اليمن في صراع من نوع جديد بعد توسع جغرافية التداخلات الخارجية في تفاصيلة، وسيكون لدينا تجربة يمنية فريدة في العلاقة تتسيدها هذه الأطراف المؤثرة بقوة في الصراع ومن ثم التمهيد لصراع جديد.
ليس من المؤمل كثيراً على أسياد الحرب الدائرة في اليمن أن يسعوا باتجاه سلام يحيل إلى حكم وطني مستقل، طالما نحن متأكدون من أنهم يؤدون خدماتهم لوكلائهم في الخارج، ولكننا نضع هنا السيناريو الثاني الإيجابي، والذي يتمثل في أن يتخلى أمراء الحرب عن خدماتهم الخارجية ومحاولة الوصول إلى حل في إطار وطني يراعي مصالح الشعب بالدرجة الأولى، لا خدمة للخارج، ولا لأصحاب المصالح الخاصة، ففي هذه الحالة يمكن التوصل إلى حلول عملية تضع في اعتبارها حل المشاكل العالقة أولها تكلفة الحرب، والتأكيد على المصالحة الوطنية القائمة على إنصاف الضحايا ومعاقبة الجناة والتجريم قانونا لكل ما من شأنه أن يثير النعرات الطائفية أو المناطقية أو المذهبية أو العرقية، ووضع قوانين جديدة لا تخدم طرفاً بعينة ولا جهة دون أخرى، ولكن التأسيس لقانون يحمي الجميع ويقدم الفرصة للجميع مع احترام مبادئ قانون الإنسان، وبقية القوانين والمعاهدات الدولية.

التعليقات