تقع سيرة باكثير الذاتية الفكرية والمسرحية المعنونة «فن المسرحية من خلال تجاربي الشخصية» في كتاب متوسط الحجم، في ما يقارب المائة وعشر صفحات، لكنه بالغ الدلالة على الحياة الإبداعية، وتتكون من ستة وعشرين فصلاً منحت جميعها عنوانات تتصل بمجال المسرح، موزعة بين قضايا المسرح وموضوعاته وتقنياته، بحيث توحي للوهلة الأولى بكتاب نقدي يتناول القضايا والمفاهيم النظرية المسرحية.
ولكن في أثناء القراءة تتكشف تفاصيل السيرة الذاتية المسرحية لعلي أحمد باكثير، التي منحها شكل كتاب نقدي، فجميع العنوانات ما هي إلا موضوعات تتصل بالتجربة الشخصية في الكتابة وانطباعاته الخاصة. وهو إذ يطوف بين الموضوعات المسرحية إنما يأتي بها للبرهنة على صحة اختيارته وممارسته «فن المسرح» ولا يمكن تجاوز دلالة مناسبة رواية هذه التجربة التي كان أصلها محاضرات تلقى على طلاب في معهد المسرح العربي في القاهرة في أواخر الخمسينيات، بمعنى أن رواية التجربة تجري من موقع سلطة ثقافية منحتها مكانة صاحب التجربة الذي يقوم بدور المعلم في شرح القضايا النظرية والمفاهيم المسرحية من وجهة نظره، وحول الكيفية التي يتم من خلالها اختيار الموضوعات المسرحية، وكيفية بناء العناصر المسرحية من شخصيات وحوار وغير ذلك، فيصبح الحديث عن تجربته المسرحية أقرب إلى الشهادة الأدبية التي تلقى في مؤتمر أدبي أو مناسبة ثقافية.
شوقي وشكسبير
من أهم موضوعات السيرة الذاتية الفكرية الحديث عن المؤثرات التي تسهم في صوغ شخصية صاحب السيرة الذاتية، ولذلك يضعنا باكثير منذ الصفحات الأولى للكتاب أمام أهم شخصيتين أدبيتين كان لهما الأثر البالغ في تجربته الأدبية والمسرحية، هما: أحمد شوقي الذي تعرَّف على مسرحياته الشعرية في أثناء وجوده في الحجاز. ووليم شكسبير الذي درسه في قسم اللغة الإنجليزية بجامعة القاهرة.
وكان شوقي النافذة الذي أطل من خلالها باكثير للمرة الأولى إلى عالم المسرح في الصيغة الشعرية التقليدية، واكتشف في مسرحيات شوقي ما أطلق عليه «النموذج الغريب في استعمال الشعر لغير ما كان يستعمل له»، وهو عند باكثير مجال جديد للشعر يخرج الشعر العربي عن وظيفته التقليدية في التعبير عن الذات إلى مجال الدراما المسرحية، يقول: «كان لاطلاعي على هذه المسرحيات الشوقية أثر كبير في نفسي، فقد هزني من الأعماق وأراني لأول مرة في حياتي كيف يمكن للشعر أن يكون ذا مجال واسع في الحياة حين يخرج عن نطاق ذاتية قائله إلى عالم فسيح يتسع لكل قصة في التاريخ، أو حدث من الأحداث»، وقد شكل هذا الاكتشاف الهزة العنيفة الأولى في حياته الأدبية، ووجد لذلك صدى في نفسه الساخطة على الأوضاع التقليدية في اليمن، وتعبيرًا عن رغبته في التجديد والبحث عن صيغ جديدة في التعبير الشعري، أثمر ذلك عن محاولة المسرحية الأولى (همام أو في عاصمة الأحقاف) التي انتقدها لأنها جاءت خالية من المقومات الأساسية للمسرحية، واتخذ منها مثالاً لأهمية الوعي أولاً بشروط كتابة المسرحية، والحاجة إلى دراسة الأصول والقواعد المسرحية، وهو ما لم يتوافر له إلا بعد دراسة الأدب الإنجليزي في القاهرة.
يقول الأستاذ الدكتور عبدالعزيز المقالح، مبينًا أثر شوقي على باكثير: «لم يكن تأثير شوقي ومسرحه الشعري عند باكثير قاصرًا على محاولات التجريب والتقليد، وإنما اقتاده وشد مشاعره إلى القاهرة عاصمة العروبة الأولى»، وقد أخذ باكثير منذ صباه يصوب عينيه ووعيه تجاه القاهرة وشعرائها الكبار، وقد كانت لحظة وصول ديوان حافظ إبراهيم إلى حضرموت مناسبة كبيرة في حياته.
أما شكسبير، فلم يخفِ باكثير إعجابه الكبير بمسرحياته، لأنه مثل القواعد والأصول المسرحية الكلاسيكية التي افتتن بها باكثير أثناء دراسته في كلية الآداب بجامعة القاهرة، إلى جانب كون شكسبير يمثل النموذج المسرحي الذي جمع بين المسرح والشعر، وهما الفنَّان اللذان أراد باكثير في بداية تجربته المسرحية المزاوجة بينهما، ويحدثنا عن بداية دراسته المسرحية، وشغفه الكبير بعملاق المسرح شكسبير: «.. يهمني هنا أن أخص بالذكر ما يتعلق بدراسة المسرحية، فقد انجذب قلبي إليها أكثر من انجذابي إلى غيرها من فنون الأدب الأخرى كالقصة والأقصوصة والملاحم والشعر القصصي، وكان يستهويني بوجه خاص أعمال شكسبير، ولعلّ مرجع ذلك ـ بالإضافة إلى مكانته المعروفة في هذا الفن ـ أنه شاعر وأنا كنت إذ ذاك مازلت أعتبر الشعر ميداني الأول، فلا غرو أن أفتتن بشكسبير باعتباره يجمع بين الفن القديم الذي أحبه، وهو الشعر، وبين الفن الجديد الذي بدأت أكتشف في نفسي الاستجابة إليه وهو فن المسرحية». 
الشعر الحديث
ومن بوابة شكسبير دلف باكثير إلى تجربة استخدام الشعر الحديث في كتابة المسرحية للمرة الأولى عربيًا في تاريخ الشعر العربي، فتغدو هذه السيرة الذاتية الفكرية مناسبة للحديث عن ريادته الشعرية غير المحتفى بها، والتي ظل باكثير يؤكد فيها قصة كتابته الشعر الحديث عند كل فرصة سانحة في سائر كتاباته وأحاديثه، واقترن حديثه عنها بشئ من الحسرة والخيبة، لأنها من القضايا التي ولدت في نفسه شعورًا مريرًا لتجاهل الدارسين والنقاد لها، وهي من أهم مكونات سيرته الذاتية الفكرية، وفيها يحكي باكثير كيف أثار النقاش الذي دار بينه وبين أستاذه الإنجليزي في جامعة القاهرة حول إمكانات اللغة العربية لتقبل شكل الشعر الجديد المتحرر من القافية، الذي أطلق عليه باكثير اسم «الشعر المرسل»، فجاءت ترجمته لفصل من مسرحية شكسبير «روميو وجولييت»، اختبارًا لصحة تحديه لأستاذه الإنجليزي، بإمكانية تقبل اللغة العربية لهذا اللون من الشعر، ثم ألف مسرحيته الشعرية «إخناتون ونفرتيتي» مستعملاً طريقة الشعر المرسل، غير أن هذا الشعر كما ذكر باكثير «لم يستقبل عند ظهوره بالترحيب أو الاستحسان إلا من قبل المرحوم الأستاذ إبراهيم عبدالقادر المازني الذي تفضل ـ رحمه الله ـ فكتب مقدمة للمسرحية أشاد فيها بهذه التجربة في الشعر المرسل وصلاحيته للمسرحية»، فوصل بعد ذلك إلى رأي أخير في استخدام «الشعر المرسل» في الكتابة المسرحية، يشير إلى تحوله إلى مرحلة أخر فوصل بعد ذلك إلى رأي أخير في استخدام «الشعر المرسل» في الكتابة المسرحية، يشير إلى تحوله إلى مرحلة أخرى في كتابة المسرحية عدل فيها عن الصيغة الشعرية عدولاً تامًا، يقول: «قلت فيما سبق أن تجاربي المسرحية جعلتني أعدل عن الشعر جملة، وأرى أن النثر هو اللغة الطبيعية للمسرحية، وأن الشعر لاينبغي أن يكتب به غير المسرحية الغنائية التي يراد بها أن تلحن وتغنى، وهي (الأوبرا)».
ريادة شعرية
هذه الريادة الشعرية التاريخية انقسم الناس فيها بين من يراها مجرد محاولة لم يؤكدها باكثير بمنجز شعري، شأن ريادة السياب أو نازك الملائكة في الشعرالعربي الحديث، وأنها لا تتعدى مجال المسرح بحكم طبيعة المسرح التجريبية، كما يرى الدكتور أحمد شمس الدين الحجاجي، الذي قال في كتابه «المسرحية الشعرية في الأدب العربي الحديث»: «تعد تجربة باكثير في المسرح الشعري تجربة رائدة، وبالذات في ميدان الشعر، وربما كان مرد ذلك إلى أنه دخل ميدان المسرح أولاً، ثم استخدم فيه الشعر، وهذا ما أداه إلى أن يقوم بتجربة شجاعة تواجه عمود الشعر القديم، وتكسره وتستبدل به بنية جديدة، ولو كان باكثير شاعرًا من الشعراء المعروفين لخاف من التجربة، وربما أحجم عنها، لكنه كاتب مسرحي، وهذا ما يدفعه إلى التجريب ملتقيًا مع طبيعة المسرح العربي المتجه نحو التجربة وفتح آفاق جديدة لها"، ومن يرى أن ريادة باكثير ريادة شعرية أصيلة في تاريخ الشعر العربي الحديث، كالأستاذ المقالح الذي يجزم بأنه «بكل المعايير النقدية المعروفة ـ القديم منها والحديث ـ سيظل النظام التجديدي للقصيدة العربية، وهو النظام الذي اهتدى إليه الشاعر علي أحمد باكثير خطوة تاريخية رائدة تفتح الطريق أمام دعاة التجديد الشعري، بالرغم من أن باكثير نفسه قد تنكب عن استخدام نظام التفعيلة فيما كتب من شعر غير مترجم باستثناء مطولته الشهيرة (إما نكون أو لانكون) التي كانت آخر ماكتب من شعر».

 

التعليقات