تبدأ معركة الحديدة كي تتوقف وتتوقف كي تبدأ، فمنذ أشهر وصلت القوات اليمنية المدعومة بقوات «التحالف» السعودي الإماراتي إلى مشارف مدينة الحديدة، ومنذ ذلك الوصول الأول وحتى اللحظة تحركت هذه الجبهة بضراوة ثلاث مرات، وفي كل مرة لم تستطيع القوات المهاجمة أن تحقق انتصارات كبيرة، حتى أنها توقفت عند أسوار مطارها حتى هذه اللحظة، وذلك نتيجة للإستماتة التي تقوم بها القوات الموالية للحوثيين، والتي تسيطر على المدينة منذ العام 2014؛ ونتيجة أيضاً لخطط الدفاع المحكمة التي تعتمد بدرجة رئيسية على صنع حقول الألغام والعبوات الناسفة وتفخيخ المباني، واستعمال تقنيات دفاعية مختلفة تعتمد بعضها على الطائرات بدون طيار والرصد الدقيق لقوات الخصم.
خلال هذه المعارك الثلاث، إن جاز التعبير، يتم الحديث عن محادثات سلام، بيد أنها تفشل كل مرة، فما أن يبدأ الحديث عن عملية سلام حتى تتحرك هذه الجبهة بضراوة منقطعة النظير، ثم ما تفتأ أن تتوقف. لتعود مجدداً بعد أشهر للتحرك، وهو ما يعني أن هذه الجبهة يتم استخدامها كورقة سياسية من أجل الحصول على أكبر قدر معين من الضغط الذي يمكن أن يمارسه كل طرف على الآخر.
تعتقد القوات المسيطرة على الحديدة أن بفقدانها هذه المدينة الحيوية فإنها سوف تفقد أهم مورد اقتصادي، لذلك ستحاول قدر الإمكان الإحتفاظ بمثل هذه المناطق الاستراتيجية التي تعطيها فرصة أكبر في التفاوض. وفي الجهة المقابلة أيضاً، يقول «التحالف» ومن يواليه من الحكومة اليمنية بأن السيطرة على الحديدة تعني قطع الطريق عن مصدر تمويل القوات الحوثية، كما أنه يعني أيضاً حرمانهم من بوابة عبور الأسلحة التي يستوردها الحوثيون من أجل الحرب. بيد أن الحقيقة أن هذه الجبهة تتحرك من قبل «التحالف» ومن معه من أجل نزع الحديدة ومن ثم إفقادهم ورقة كبيرة يفاوضون على أساسها.
ويبدو أنه حتى المجتمع الدولي والأمم المتحدة وكثير من الدول الكبرى تقرأ ورقة الحديدة على أنها عاملاً مهماً في خلق التوازنات وصنع فرص كبيرة للوصول إلى تسوية سياسية، بيد أنه يغيب عن الجميع أن كل هذه الحرب، وإن حققت أي مصالح سياسية للعبور إلى مفاوضات، فإنها تشكل خطراً كبيراً على المستقبل، حيث تعد الحديدة من أكثر مناطق اليمن فقراً، وقد كانت تشكو من انتشار المجاعة حتى قبل وصول كارثة الحرب إليها، كما أن هناك كلفة بشرية هائلة يدفعها أبناء هذه المدينة المسالمة.
من الجلي أنه لا أحد يكترث للحديدة ولا لسكانها ففي الحين الذي يتمسك فيه الحوثيون بالمدينة على الرغم من الكلفة البشرية الهائلة والدمار الذي يمكن أن يحل بها، والمطالبات المحلية والدولية بالانسحاب منها تجنبا للدمار، فإن «التحالف» والقوات الموالية له هو الآخر لا يضع في حسبانه أي فائدة أو مصالح للناس، إذ يتم تحريك هذه الجبهة لا تبعاً لتحقيق أهداف تخدم مصالح الناس كما يقولون، ولكن لتحقيق أهداف سياسية خاصة، فيما يعمل المجتمع الدولي على تمديد الوقت لصالح القوات المهاجمة، ومحاولة الموازنة بين خطابين الأول ظاهر يدعو إلى وقف الحرب من أجل تجنب الكارثة الإنسانية، وخطاب خفي يعطي «التحالف» فرصة السيطرة على المدينة وتحقيق نجاحات تذكر على الأرض.

التعليقات