رحل الأكاديمي والسياسي المثير للجدل صالح علي باصرة (1952-2018م)، بعد حياة حافلة بالعلم والنضال ضد «عتاولة الفساد» و«حاملي مباخر» نظام ما بعد «حرب صيف 94»، لم يتوقف عن كشف الحقائق ومكاشفة المتسببين في الكوارث، ولم يهادن أو يخشى أحدا؛ فقد كشف جرائم فسادهم وجهاً لوجه، من على منابر قنوتهم الفضائية، وصحفهم، ومواقعهم الإخبارية أيضا.
ولد باصرة في العام 1952م في مدينة المكلا عاصمة محافظة حضرموت وتلقى تعليمه الأولي فيها، ثم أكمل دراساته العليا ليحصل على الماجستير في التاريخ من «جامعة لايبزج الألمانية» عام 1982، ثم على الدكتوراه في العام 1986 في التخصص ذاته ومن الجامعة ذاتها، ثم عاد إلى اليمن ليبدأ مشواره الأكاديمي والسياسي، بوطنية عالية، ومنسوب مصداقية مرتفع، فأحبه الناس وخشيه العتاولة والفاسدون.
مناصب علمية
شغل باصرة مناصب علمية متعدّدة كان معظمها لا يخرج عن دائرته كأكاديمي، إذ عُيِّنَ رئيساً لجامعة عدن، ثم رئيساً لجامعة صنعاء، ثم وزيراً للتعليم العالي، وأثناء تعيينه في جامعة صنعاء حاول أن يعالج معظم الاختلالات التي كانت قد ضربت الجامعة كـ«المحسوبية» و«الوساطات» والتدخل القَبَلِي في رسم معظم سياسات التعيين والتوظيف الأكاديمي فيها، ثم بعد تعيينه وزيرا للتعليم العالي عمل على حلحلة قضايا الفساد المهول الذي كان يضرب الوزارة، وأحال معظم الفاسدين فيها إلى القضاء، وعمل على كشف شبكة تزوير كبيرة في الوزارة، وفتح تحقيقا موسّعاً في ذلك، وأحال معظم من ثبتت إدانتهم إلى الجهات المعنية، فشن عليه العتاولة حرباً ضروساً، لكنه لم يتراجع، في حين لم يستطيعوا النيل من شجاعته أو سمعته.
«تقرير باصرة» الشهير
ولمصداقيته، كلّفه الرئيس الراحل علي صالح، بعد ظهور أحداث «الحراك الجنوبي» التي دعت إلى إعادة تصحيح الوضع وإلغاء الإقصاء والتهميش الذين تعرض لهما الكادر الجنوبي منذ صيف 94، ليستقصي المسألة، ويبحث عن جذورها، فقام بمهمته ورفع تقريره حينئذ الذي عرف بـ«تقرير باصرة»، فكان تقريراً صادماً وصادقاً، إذ وضع فيه علي صالح في دائرة الفساد ذاتها، وكشف الأخطبوط وأذرعه، وحدد بدقة عمليات السطو على أراضي الجنوب والجنوبيين، وسمّى ناهبيها ولم يخش أحداً، كما حدد أشكال الإقصاء التي نالت من الكادر الجنوبي.
في تقريره أكد أن علي صالح نفسه، وحميد الأحمر، وعلي محسن، وشخصيات أخرى، من أهم الأسباب التي أخرجت الجنوب إلى الشارع رفضاً لسياسة استمرأت الفساد وشجعت على الإقصاء، كما تحدث في تقريره عن المهمشين، وأبدى وجهة نظره في الإذاعات المحلية التي كان نظام صالح قد عمل على جعلها مجرد صدى للإذاعة المركزية التي تردد ما يراد لها من قبل الحزب الحاكم وأجندات حكومته، وتنفذ سياستها، ولا تهتم إلا بالحديث عن نشاطات صالح وحكومته، فكان أن اقترح أن تهتم هذه الإذاعات بمعالجة قضايا المناطق التي تنتمي إليها وتركز على مسائل اجتماعية واقتصادية وتنموية في مناطقها فقط. كما تحدّث عن القمع الذي طال معظم الصحف والصحفيين ونادى بوضع حل جذري لهذه المسألة.
كما تحدث عن إشكالية الإقصاء التي مست الجنوب وكادره، إن في وزارة الخارجية التي استحوذت فيها قوى محسوبة على الجهات النافذة في منظومة صالح الاجتماعية والقبلية والحزبية بنسبة 94% على حساب الجنوب، أم على صعيد إغلاق الكليات العسكرية الجنوبية كليّاً وعدم قبول جنوبيين بالشكل المطلوب في الكليات العسكرية الموجودة في صنعاء، أو في دوائر الحكومة كلها.
صادق وصريح
كان باصرة رحمه الله صادقاً وصريحاً، ولا يخشى في سبيل مصداقية وحقيقة ما يقوله أحد، فبعد تخلي صالح عن الحكم ظهر باصرة على قناة «سهيل» التابعة لأحد الذين سمّاهم في تقريره كناهب لأراضي الجنوب، حميد الأحمر، وكرر في حواره هذا أن حميد الأحمر ناهب من الناهبين، وفي رد له على سؤال المذيع «من هم الناهبون؟» رد عليه «ستزعلوا.. ستزعلوا.. ستزعلوا»، ليتلافى المذيع محاولاً التراجع: «نحن على الهواء». فرد عليه باصرة: «حتى صاحب القناة سيطلع من الناهبين»، ليندهش المذيع ويقول «أنت تقول إن حميد الأحمر من النهابين»، ليرد باصرة: «لم لا».
باصرة لم يكن مجرّد سياسي أو أكاديمي، لقد كان حالة استثنائية تمردت على القطيع وعرفت بالشجاعة والمصداقية، فهو صاحب الحلول البديلة، وتفكيك منظومات الفساد لاسيّما في وزرة التعليم العالي في عهده، وواضع الإستراتيجيات طويلة المدى في هذه الوزارة، وهو صاحب رفض مبدأ «الوساطات» التي كان يؤكد أنها تعرقل عمله كما تعيق تقدم البلد.

التعليقات