بداية ينبغي الإعتراف بأن اليمن يفتقر لمفهوم الدولة، حين يتعلق الأمر بتجسيد هذا المفهوم بكل ما يحمله من معنى على الواقع، إذ يعني ذلك كياناً يتشكل من مؤسسات مترابطة في ما بينها بواسطة النظام والقانون الذي يرتب أعمال تلك المؤسسات ويحكم علاقاتها في ما بينها، بينما كان الواقع اليمني منذ ما بعد الاستقلال وحتى العصر الحاضر، فاقداً لمفهوم الدولة إذا ما استثنينا الفترة القصيرة لحكم الحزب «الإشتراكي» في الجنوب. ولكن مع كل ذلك فإنه يمكن القول إن هناك جانباً شكلياً للدولة تمثل في الوجود الشكلي لتلك المؤسسات التي تعمل محكومة بإرادة أفراد نافذين يمتلكون سلطاتهم تلك بناء على خلفيات قبلية ودينية وارتباطات شخصية برئيس الدولة.
 ما أن بدأت المعارك الأولى للحرب الأخيرة في سبتمبر من العام 2014 باجتياح القوات «الحوثية» للعاصمة صنعاء ووصولهم إلى عدن، حتى تهاوت كل مؤسسات الدولة، وحتى الجيش وبقية المؤسسات الشكلية تحولت إلى مجاميع مسلحة تحت مسمى الجيش واللجان الشعبية في صنعاء، ومسمى الجيش الوطني في الجنوب وبقية مناطق اليمن، حتى ظهور النخب والأحزمة والألوية الخاصة التي تتحول في الأخير لجماعات مسلحة تخدم أجندات خاصة خارجية وداخلية، وليست محكومة بالدستور ولا بالقانون، ومن ثم فهي خارج إطار مؤسسات الدولة.
في ظل كل هذه الفوضى والصراع والمجاعة وانعدام الأمان والاغتيالات، تبدو لنا ثلاث مناطق ربما تبدو للوهلة الأولى أماكن نموذجية مقارنة ببقية مناطق اليمن، الأولى صنعاء وما حولها من مناطق تقع تحت سيطرة «الحوثيين»، والثانية مأرب وما حولها من مناطق واقعة تحت سيطرة «التجمع اليمني للإصلاح» وحلفائهم من التيارات السلفية، والثالثة ساحل حضرموت حيث تسيطر النخبة الحضرمية الموالية للإمارات.
وينظر كل على حدة لكل هذه المناطق بالتنافس في ما بينها، نظراً لما تتمتع به من أمان نسبي، وربما نظر إليها البعض على أنها مناطق صالحة لأن نقول عنها دولة، ويأتي هذا الحكم نتيجة لمستوى التحسن الأمني النسبي، بغض النظر عن أي مستوى آخر لتدهور أحوال الناس لا سيما في الجانب الاقتصادي والاجتماعي.
إن الربط بين الدولة ومستوى الأمن، ربط خادع، فلا يعني أبداً أن المستوى الكبير للأمن وانعدام حوادث العنف المنظمة أو العصابات والاختطافات وغيرها لا يعني ذلك أن هذا نموذج للدولة المنشودة، ذلك أن جماعة ما تحتكر العنف لنفسها، وتستطيع أن تفرض مستوى من الأمن الخادع لأنها تصادر العنف الفردي وتبقي على عنف ممنهج بيدها هي. صحيح أن المفهوم الحديث للدولة يقوم في الأساس على احتكار العنف بيدها هي لكنه محكوم بنظام وقانون ودستور، ولا تستطيع الدولة أن تقوم بالعنف إلا عبر أطر مؤسسية تنظم هذا العنف وتبرر استخدامه.
لا يعني مستوى الأمان النسبي الذي تعيشه صنعاء وما حولها أنها نموذج للدولة، ذلك أنها فاشلة في إدارة بقية مؤسسة الدولة، وعاجزة عن دفع مرتبات الموظفين، ففي حين تنجح بشكل فعال في إدارة الحرب، فإنها فاشلة تماماً في إدارة الدولة في الجانب الاقتصادي والسياسي والاجتماعي.
ولا يعني التحسن الملحوظ في الجانب الأمني والاقتصادي في مأرب أنها نموذج للدولة، ذلك أنها قائمة على مبدأ الصوت الواحد واللون الواحد والفرد الواحد، حيث يتم إعادة إنتاج النظام القبلي الذي اعتمد عليه صالح، بما فيه من فساد ومحسوبية ولكن على وفق رؤية علي محسن وجماعته.
إن كل هذه النماذج تبدو للبعض مثالية فقط حين تقارن بأداء ما تسمى أجهزة الدولة التي تقع تحت يد الحكومة المعترف بها من قبل الأمم المتحدة، حيث الفوضى الأمنية والاقتصادية والسياسية أيضاً في عدن وتعز ولحج والضالع وبقية المناطق، حتى الفساد والعنف يصبح فوضوياً وغير منظم. لذلك ما زلنا بحاجة للنظر إلى الدولة بالصورة التي لم نعرفها بعد، بوصفها مؤسسات قوية محكومة بالدستور والقوانين المبنية على أساسه.

 

 

 

التعليقات