مع الرابع من ديسمبر هذا العام، تكون اليمن قد أنهت سنة على مقتل الرجل الأول الذي ظل لاعباً أساسياً في السياسة اليمنية خلال أكثر من 38 عاماً، وخلال هذه السنوات الطويلة من عمر اليمن الحديث، كانت تفاصيلها مليئة بالمؤامرات والاتفاقات والحروب والنجاحات الجزئية، والإخفاقات الوطنية والصراعات المستمرة.
وخلال السنوات الأخيرة من عمره الطويل انقسم الناس إلى فسطاطَين رئيسيين مهيمينين على ما عداهما، الأول يرى في الرجل السبب الوحيد لكل دمار عاشته وتعيشه اليمن، وأنه العقل المدبر لكل مصيبة، وأنه ما من عمل مشين مجهول الفاعل في اليمن إلا وكان صالح السبب الرئيسي وراءه. في حين يقف على النقيض من يرى فيه المنقذ الوحيد، والباني المتفرد (لنهضة اليمن)، وأنه ما من مستقبل بدونه. وهنا نكون قد طوينا عاماً ليمن من دون علي عبدالله صالح، وهي الفرصة المناسبة ليراجع كل فريق نظرته للأمور بموضوعية، بعيداً عن الشيطنة والتقديس معاً.
بشيء من المراجعة السريعة منذ مطلع ديسمبر 2017 وحتى التاريخ نفسه هذا العام، يمكن القول: إن الوضع على المستوى اليمني لم يحصل فيه أي تحول حقيقي، أو تحول يمكن معه الإيقان أن علي عبدالله صالح كان يمثل نقطة فارقة في حركة الأحداث في اليمن حينها.
لقد وصل الرجل إلى السلطة في لحظة كان وضع اليمن سياسياً لا يختلف كثيراً عن وضعها الحالي، لكنه استطاع بشيء من الدهاء السياسي أن يلعب على تناقضات الداخل والخارج في ذلك الوقت، ويعمل على إنتاج نظام يدير مؤسسات هشة وضعيفة وشكلية، أوصلته وحافظت على سلطته، ولكنه فقد هذه السلطة بعد عاصفة الربيع العربي في العام 2011، ومع ذلك لم يفقد مساهمته في صنع الأحداث، حتى خروجه نهائياً من السياسة والوجود أيضاً، وفق قناعاته الراسخة التي كان يؤمن بها بأنه لن يذهب عن السلطة إلا بالطريقة التي جاء بها، وهي القوة.
لقد توهم تحالف الخليج ومن معهم من سلطة الداخل في اليمن بأنهم إن استطاعوا أن يزيحوا علي عبدالله صالح عن تحالفه مع (الحوثيين)، فإنهم بذلك سيخسرون نصف العدو، وفي الحقيقة أن ما حصل هو العكس تماماً، حيث خرج علي عبدالله صالح بشخصه عن المشهد، في حين بقي كل أتباعه وإرثه الذي حكم به اليمن يقاتل في صفوف قتلته.
عام حتى الآن على رحيل صالح، لم يتغير في المشهد شيء يذكر، ذلك أن الأدوات التي حكم بها صالح طيلة الأعوام الماضية صارت الآن بيد حلفائه الأعداء، لقد أدركوا من أين تؤكل كتف السلطة لا سيما في شمال اليمن، حيث الهيمنة على الناس هناك تأتي عبر السيطرة على المشائخ، فمن استطاع أن يتحكم بعدد من المشائخ ورجال القبائل فقد تحكم باليمن. إذ من السهل أن تسيطر على 1000 شخصية إذا كان ذلك سيؤدي إلى السيطرة على 20 مليون شخص.
يحكم الآن (الحوثيون) الجزء الأكبر من سكان اليمن ليس بواسطة المؤسسات المندثرة أصلاً، ولكن بواسطة جهاز القبيلة الذي لا يتطلب غير إذعان زعيم القبيلة ترغيباً أو ترهيباً، ومثلما كان صالح يستميل كل زعماء القبائل بالمال والسلاح والسلطة، فقد كان الإمام في مرحلة ما قبل ثورة 27 سبتمبر يقود القبائل نفسها بسياسة القوة والرهائن.
في الخلاصة يمكن القول إن صالح قد ذهب شخصاً ولكن سياسته ما زالت قائمة، لذلك لا يوجد أي ملامح لأي تغيير أو تغير،  فلا «التحالف» ولا حكومته (الشرعية) استطاعت أن تحقق اختراقاً يذكر في غيابه، ولا يمكن للوضع أن يتغير كثيراً في المستقبل حتى لو تغير كل الأشخاص، فالأمر يتمثل في وجود منظومة اجتماعية تتناقض في أدائها مع مفاهيم الدول الحديثة، وهو ما ينبغي تفهمه والتنبه له جيداً إذا ما أردنا الانتقال إلى مرحلة المجتمع الحديث في مرحلة ما بعد الصراع.

التعليقات