لم يكن هتلر ليجمع كل القوى في الوقوف ضده، وتدمير بلده وهو يشن حروبه المسعورة تلك، إلا لشعوره بالوطنية المتعالية التي فصلها على مقاس نازيته وعنصريته، لتشبع غروره ونرجسيته. ونتيجة لذلك الوهم العظيم، لم يكن يشعر ولو بقليل من الندم وهو يرى كل تلك المدن والأرواح تُدمر، فوهم الوطنية الذي ألبسه كل تصرفاته لإشباع عصريته ومرض التفوق العرقي الآري، جعله غير قادر على الإحساس الانساني، فيمارس كل ذلك التدمير تحت مظلته.
إنها الوطنية، الذريعة الجاهزة التي تمارس بموجبها الانظمة الديكتاتورية قمعها، والتي يتمترس خلفها السياسي المحتال لتبرير أفعاله التي تخدم مصلحته الشخصية وأنانيته المفرطة، وهي نفس الادعاءات التي التهمت بموجبها، جماعة مسلحة، مؤسسات الدولة المنهكة، ورفعها قبل ذلك نظام صالح لتغطية الفساد والاستئثار بالسلطة والثروة.
إن الحالات التي يتم فيها التمترس خلف هذا الادعاء تكون الغاية المعتادة منها هي تخوين الطرف الآخر، واقصائه، للانفراد بالدعم الجماهيري والعاطفة الشعبية،  وإبعاد عين الرقابة عن رصد الاستغلال غير المشروع للسلطة للحساب الشخصي، ثم الظهور بمظهر المتحيز للصالح العام للتغطية على مخالفات وعمليات فساد كبيرة مثلاً، او الحديث عن أعداء وهميين للوطن والشعب، وتلك الحيلة المصحوبة بالصراخ المباشر والضجيج الاعلامي عادة؛ يلجأ إليها عديمو الضمير ممن تسند إليهم مسؤولية إدارة المصالح العامة بناء على ولاءاتهم للسلطة الحاكمة، وقربهم من أصحاب القرار والنافذين فيها، ولا يهتمون إلا بمصالح اللوبي الحاكم، فهم عملياً لا يمتلكون حساً وطنياً أو  إنسانياً.
هو احتيال يمارس للتلاعب وتضليل المشاعر العامة، وغالباً ما ترفع ذلك الحكومات والانظمة الفاشلة، بشكل رئيسي في وجه معارضيها لكسب تعاطف شعبي وتمرير اجندة معينة، أو كلما اشتد الخناق عليها وواجهت اختباراً شعبياً حقيقياً، تصبح معه مصالحها مهددة بالسقوط، فهي حيلة تمثل المرحلة الأولى من مراحل التراجع عن الديموقراطية لتضليل الرأي العام، نحو حيلة رجعية تخاطب المعتقد والعاطفة الدينية، كرفع المصاحف. وتلك إحدى أبرز الحيل الكثيرة التي لعب عليها نظام علي صالح، حتى استنفذت تأثيرها في عام 2011، عندها كان لزاماً عليه الانتقال من مخاطبة العاطفة الوطنية؛ التي اشبعتها شعارات الثورة السلمية، الى محاولة نيل ثقة عاطفة مقدسة يجمع عليها الجميع ولها دلالتها التاريخية وهي رفع المصحف، وكان المقصد وراء ذلك كسب رضا القوى الدينية والموالين لها من مشايخ القبائل، والعاطفة الدينية لدى العامة، او على الاقل تحييدها؛ ليتسنى له في الاخير ترتيب اوراقه.

الهدف كسب العاطفة الدينية أو تحييدها 


حالياً؛ على غرار ذلك الاحتيال يتطابق سلوك كل من السلطة «الشرعية» وسلطة «الانقلاب»، وبغض النظر عن المشروعية لكل منهما، فإن المصلحة الوطنية تتحقق أساساً في وجود دولة عدالة ومساواة، وبناء السلام وانهاء هذه الحرب، للحفاظ على حياة الانسان، الذي لا تعني له المصلحة الوطنية ولا الوطن بدون ذلك شيئاً، فالطرفان يحملان نفس التفكير العبثي الذي لا يحترم حياة الانسان، بل يحاول كل منهما المزايدة بجراح وأوجاع الناس، بالرغم أن تلك الادعاءات التي يحملانها لو كانت حقيقية؛ لكانت قادرة على تحقيق توافق بسيط في الجانب الانساني، والوصول إلى تفاهمات هدفها أولاً وأخيراً هو الانسان، بدون محاولة الاستفادة من ذلك، وهناك كثير من القضايا المحايدة التي يجب الاشتغال عليها، وهي قضايا موضوعها وهدفها الانسان وحياته، كالوضع الصحي والرواتب والاغاثة، وتجنيب المدن دمار الحرب، فالوضع الانساني كارثي، ولا يحتمل المزايدة بحياة الأبرياء، والأوبئة المختلفة تفتك بالحياة، والمجاعة تعصف بالقرى والمدن، وتلك الاسباب يكفي كل واحد منها منفرداً لأن يجعل أي سياسي حقيقي يحمل هماً وطنياً وانسانياً أن يقدم التنازلات من اجل الوصول الى الحلول، كتغليب للمصلحة الوطنية على الطموح الشخصي أو الطائفي أو المناطقي، وارضاء ذلك الغرور. وما نشاهده حالياً على الساحة السياسية اليمنية هو هيمنة نماذج من اللاعبين المحليين او المتحكمين في الامن والسلم الاجتماعي كسياسيين، يديرون ميليشيات مسلحة تشعل الحروب وتطفئها باتصال هاتفي، ويتحكمون وفقاً لذلك بالقرار الوطني بما يخدم مصالحهم.
تلك المزايدات بالوطنية واستغلالها في أتفه الأسباب لم تنتج عن سوء فهم أو تأويل خاطئ للمفهوم؛ بل عن غياب فعلي للروح الوطنية المتجردة من المنافع الشخصية، وهي ذاتها التي تعيد انتاج النظام السابق بآلياته وأدواته، من خلال السلطة «الشرعية» الحالية، ويتجلى ذلك في الارتهان للقوى التقليدية المهيمنة على القرار تحت مزاعم الوطنية، «الشرعية» التي هي ضحية تلك الادعات، والشعارات التي تم رفعها لأغراض مختلفة ليس من بينها الوطنية، ابتداءً من ذريعة اسقاط الجرعة، او محاربة الفساد، وحتى اتفاق السلم والشراكة. وها هي اليوم تحت تلك الادعاءات بالوطنية وخدمة الوطن تعيد تمكين؛ أو تصمت عن تمكين الأطراف التي مثلت أكبر عائق لبناء الدولة ومؤسساتها، مثلا تعيد تمكين هاشم الأحمر عسكرياً، وهو المتواضع في تأهيله العسكري، لكن بصفته القبلية فقط، على حساب القدرات والكفاءات العسكرية المؤهلة علمياً.
وفي الطرف الآخر، تمكين طارق صالح، الذي لا يعترف بـ«الشرعية»، من قبل قوات «التحالف»، وهو الذي قاتل ضد «الشرعية» داعماً «للانقلاب» لثلاث سنوات، وما زال يعتبر مناصرته للانقلاب وطنياً، وما زالت تتحدد الوطنية -التي قال عنها-  بأخذ الثأر من «أنصار الله» قتلة عمه واستعادة السلطة. السلطة في الشمال التي كان يتقاسمها مع «أنصار الله» وينفرد بالهيمنة باعتباره وطنياً، ولا يعتبر قوات «التحالف» التي طلبها الرئيس للتدخل عدواً (الامارات تحديد)؛ لأنها ببساطة تعمل على تجهيزه لإحكام سيطرته على الشمال وهو أحد طرفي «الانقلاب»، وهو الذي يمتثل لأوامر دولة خارجية، ويمارس فعلا انقلابياً، وبدعم خارجي، وذلك ما تعده كل قوانين الدول جريمة عظمى لان فيها شيئا يمس بالمصلحة العامة اجمالا؛ وأحداها الشرعية.

التعليقات