مع اعتماد مجلس الأمن القرار 2154 تكون مدينة الحديدة قد دخلت فعلياً تحت إدارة الأمم المتحدة عبر إرسال فريق طليعي لمراقبة سير تطبيق اتفاق الهدنة الذي تم توقيعه بين طرفي الصراع في مدينة استوكهولم الأسبوع المنصرم.
ومع هذا التنفيذ الفعلي يكون كل الأطراف قد وضعوا كل شعاراتهم تحت الاختبار للعامة، بحيث لا يمكن بعد الآن التذرع بشعارات الوطنية ورفض الوصاية، وهي الشعارات التي كانت تغلف دائما أفعال العنف وتبرر الانقلاب على المواثيق والمعاهدات وتعطي الناس مخدر الوطنية من أجل تسويغ السيطرة والحفاظ على السلطة.
عملياً لم يكن اليمن منذ ما بعد ثوراته في ستينات القرن الماضي بعيداً عن الوصاية، فبشكل أو بآخر كان تابعاً لأطراف خارجية، وهي التي تسيّر العملية السياسية، وهي التي تتدخل في تأجيج الصراع أو في الاستقرار. فبعد ثورة 26 سبتمبر وتحت شعار «لن ترى الدنيا على أرضي وصياً» كانت حكومة الجمهوريين حينها تخضع لوصاية عبد الناصر حرفياً، لدرجة أنه حبس الحكومة في القاهرة لعدة أيام. في المقابل كانت القوات الملكية تخضع لوصاية المملكة السعودية التي تدعمها، من أجل العودة إلى الحكم. وبعد انسحاب القوات المصرية إثر تفاهمات بين ناصر والملك فيصل ساد استقرار نسبي في اليمن، لكنه انتقل مباشرة للوصاية السعودية التي استمرت حتى وصول قوات «أنصار الله» إلى العاصمة صنعاء في سبتمبر 2014 إيذاناً بتغيير وصي آخر. أما في الجنوب، فقد كان الوصي هو النظام «الماركسي» في المعسكر الشرقي، فهو اللاعب الأساسي في السياسة الداخلية حتى وحدة اليمن عام 1990.
بعد ثورة 2011 التي اعتقد الشباب أنهم سيتجهون صوب الدولة المدنية الحديثة، والاستقلال بالقرار الوطني نحو التنمية والتحديث والخروج من عبئ الماضي، التفت الطبقة التقليدية حكومة ومعارضة، وأدى هذا الالتفاف إلى صراع سياسي مُر، أدخل اليمن حينها في الفصل السابع بما يعني إدخالها حضن الوصاية الدولية وبشكل مباشر.
استطاعت حركة «أنصار الله»  أن تسيطر على مساحات واسعة في اليمن تحت شعار البحث عن السيادة اليمنية، وفي الوقت نفسه ومنذ سيطرتهم على صنعاء انفتح الباب نحو إيران بما يعني استبدال الوصاية بوصي جديد من خارج الحدود أيضاً، ومن ثم تصاعد الصراع حتى هذه النقطة التي أدت بهم إلى القبول بتسليم مدينة الحديدة للوصاية الدولية، ولكن المؤلم في الأمر هو في من ينتقد «أنصار الله» أيضاً في هذا التناقض، وهو يقبل أن يستدعي قوات أجنبية من السعودية والإمارات والسودان وبقية الدول وبغطاء أمريكي وبريطاني إلى الدخول بصورة مباشرة في حرب أهلية داخلية.
في الأخير، يمكن القول إن موضوع السيادة مجرد شعار يسقط مع أول اختبار، فأن يقوم الأخ بقتل أخيه ويقوم بإخراجه من بيته فهو بذلك يعطي الإذن للأجنبي بالتدخل في شؤونه الداخلية، إذ لا معنى للسيادة طالما وأنت تستحل الموت لأخيك. فالسيادة هي سيادة احترام الحياة في المقام الأول، ثم سيادة احترام الحقوق والحريات، لأن الوطن لا معنى له بدون سيادة المواطنة. لا يمكنك الحديث عن الاستقلال والسيادة في أن تمارس القتل والتعذيب وانتهاك الحقوق والحريات.

التعليقات