حين نراجع الخطاب السياسي لكل الأطراف المتصارعة في اليمن، يصعب أن نجد خطابا جامعاً، يهدف إلى صنع رؤية شاملة للإصلاح السياسي، ومن ثم بناء مجتمع قوي بكل أبنائه، بل نجد خطاباً أنانياً يسعى في ظاهره إلى توظيف الخطاب الوطني ومن ثم يلغم هذا الخطاب بكل ما ينسفه من الداخل عبر استقدام الفرز المناطقي والطائفي وتوطيد الكراهية وتعميق الخلاف السياسي، ليصل حد التخوين والتشكيك في الإنتماء وفي التوجهات.
ومن خلال هذا الخطاب يتبين لأي مراجع أن من يقف وراءه، لا يمكنه أبداً أن يصل إلى صنع رؤية عامة للإصلاح السياسي وتقويم الخلل، بل يمكن القول إن غاية هذا الطرف أو ذاك هو الرغبة في وضع نفسه موضع السلطة التي ينتقدها أو يقاومها ومن ثم حين تصل إليه فإنه لن يغادر هذا السلوك إذا لم يعمل على مضاعفته إلى ما هو أسوأ منه.
قد يبدو الحكم تشاؤمياً خالصاً، ولكن هذه هي حقيقة الوضع الذي نعيشه في اليمن ليس من الآن ولكن عبر توارث عقود من تسمين الأنانية حتى غدت أحد موارد صنع المشاعر الوطنية لكل يمني، حيث نستلهم هذه الأنانية دون أن نراجع أنفسنا أو حتى أن ندرك ولو قليلا نسبية الخلاف السياسي وأن الجميع في الأخير عليهم أن يجتمعوا على كلمة سواء تحت سقف نظام وقانون واحد.
على الرغم من أن 80% -كما يقال- من مساحة الأراضي اليمنية واقعة تحت سيطرة ما تسمى بالقوات «الشرعية» المدعومة خليجياً، فإن 80% تقريبا من عدد سكان اليمن يقعون تحت سلطة الأمر الواقع المسيطر عليها من قبل قوات «الإنقاذ» في العاصمة صنعاء، وأغلب محافظات شمال اليمن. وحين نفحص الخطابات السياسية للأطراف الفاعلة في كلا المنطقتين نجد فداحة النتيجة التي تفصح لنا عن استحالة إدارة يمن المستقبل بأي طرف من هذه الأطراف.
يتحدث الطرف المنتصر شمالياً (الإنقاذ) عن الآخر بوصفهم مرتزقة وعملاء وخونة ومنافقين وإرهابيين، ومع استمرار الصراع تزيد الأطراف الداخلة تحت هذا التصنيف، وهذا التصنيف لا يقتصر على القوات والمناهضين لسياسة «الإنقاذ» فحسب بل أحياناً يصل لكل من ليس معهم أي بتعبير آخر: من يقفون على الحياد من سياستهم ولم يتبنوها في إطار مناطق نفوذهم، وهذا الأمر ليس نتيجة لظروف الصراع ولكنها سياسة قائمة على أساس الولاء لفكر الجماعة وليس على أي أساس وطني أو قانوني. ومن هذا المنطلق يصعب تماماً تخيل مستقبل تحت سيطرة هذه الجماعة منفردة وهي لا تقبل الاختلاف، وإذا افترضنا أن الحرب الداخلية توقفت فإن هذه العقلية سوف تبدع إنتاج المبررات التي تقمع تحت عناوينها المختلف معهم ومن ثم استمرار السيطرة المنفردة على القرار، وكذلك توظيف كل مقدرات البلد في مصلحة أنانية ضيقة وليس وطنية شاملة.
أما حين ننتقل إلى الطرف المقابل، فيمكن الحديث عن أطراف متصارعة ومتباينة لا تلغي المختلف معه في الشمال فحسب، بل وحتى في إطار التوجه الواحد، فالقوات التي تواجه «الإنقاذ» حاليا ملوثة بعقد أنانيتها. فـ«الإصلاحيون» لن يستطيعوا التماهي مع بقية المختلف معهم سواء كانوا من أنصار «الإنقاذ» أو حتى مِن مَن يشتركون معهم في خندق مثل «المقاومة الجنوبية» وفصائلها وكذلك القوات التابعة لطارق صالح وغيرهم، في حين أن «الحراك الجنوبي» بمختلف فصائله غير قادر على تجاوز عقد الأنانية المركبة سواء تجاه المناضلين من الشمال أو حتى المناضلين معه في القضية الجنوبية نفسها. ومن هذا الصراع المعقد يمكن الجزم باستحالة أن يستغني كل طرف عن هذه الترسانة من الحقد والأنانية وصنع مستقبل أفضل، حتى ولو انفرد بالحكم دون منازع فإنه سوف يتحول إلى تصفية حساباته مع خصومه الأقربين قبل الأباعد.
من هنا يمكن القول بإيجاز إن المستقبل يحتاج إلى فكرة مستقبلية أيضا تبنى على فكرة تجاوز كل الرغبات الانانية والاعتراف بالاختلاف، ومن ثم صنع خطوات عملية بناء على ذلك، ولكن للأسف لا أحد من الأطراف الموجودة حالياً قادر على تجاوز عقد الماضي المتكلس في سياساتهم عبر العقود السابقة، وهنا نكون بأشد الحاجة إلى أطراف سياسية فاعلة تختلف تماماً، خطاباً ورؤية وسياسة، تتجه إلى المستقبل وتعترف بالاختلاف، ولكن بشكل رئيس تنكر أنانية الأطراف الموجودة بمختلف مسمياتها.

التعليقات