يعاني المواطن اليمني في الداخل من ويلات الحرب الملعونة التي تقضي عليه بنيرانها المباشرة، أو بنيرانها غير المباشرة، من خلال غياب الخدمات، وارتفاع الأسعار، وصعوبة الحصول على الغذاء والدواء والماء النظيف ومقوّمات بقاء الحياة واستمرارها. في الوقت نفسه، يعاني المواطن اليمني في الخارج من حصار يصعّب عليه بصورة قاتلة الحصول على تسهيلات العمل والحركة والبحث عن مستوى لائق للحياة، فتصبح لعنة الحرب ممتدّة بأثرها إلى كلّ مكان، تلاحقه عبر جيناته الوراثية بوصفه كائناً ينتمي إلى هذه البقعة من الأرض.
لم يقتصر ذلك على أن دولاً عدّة اتّخذت قرارات بشأن وضع اليمنيّين على أراضيها أو بتغيير القوانين التي تتعلّق بدخولهم أو العمل أو المرور، بل إن السفارات اليمنية، التي ما تزال تعمل، لم تقم -على أقلّ تقدير- بما يجب عليها عمله في الظروف الطبيعية، فالكثير من تلك السفارات قد تحوّلت إلى أماكن للمتاجرة بمعاناة المواطنين، واستحلاب ما في جيوبهم مهما كانت عظمة معاناتهم، وهنا لا يمكن الحديث فقط عن غياب الفهم الحقيقي لعمل السفارات، بل إنّها تقوم بفعل معاكس يتمثّل باستغلال حاجة المواطنين، والكسب غير المشروع في كثير من الأحيان.
صحيح أنّه يمكن القول إن ما بني على باطل فهو باطل، ولكن إلى متى سيستمرّ هذا الوضع غير السويّ؟ لقد كانت فلسفة عمل السفارات، في السابق، قائمة على أنّها أماكن لمراضاة الأشخاص تحت مسمّيات مختلفة، فمنها ما كان من الأهل والعشيرة لتحسين وضعه، ومنها ما كان بوصفه إزاحة من المشهد السياسي أو التنفيذي، ليكون في هذا العمل الجديد صاحب مرتّب جيّد ودخل جيّد أيضاً، إضافة إلى صفقات وعمولات تحسّن مستواه المعيشي بصورة ذاتية، وتنسيه المشاركة في صنع القرار السياسي أو الإسهام فيه.
وفي المجمل، كانت السفارات في فلسفة النظام السابق عبارة عن أماكن للمتاجرة، وإدارة الصفقات وتنسيقها بين ضباع الداخل ومافيات الخارج، وتمرّ كلّها عبر الحقائب الدبلوماسية، في صورتها الرسمية والقانونية. هذه هي فسلفة عمل السفارات بصورة عامّة، مع استثناءات بسيطة لرموز العمل الدبلوماسي المحترفين الذين، للأسف، كانت تضيع أصواتهم الشريفة وسط أصوات الفساد التي تغطّي كلّ ما عداها. أليس من آثار هذا الفساد الدبلوماسي، أن الحقيبة الدبلوماسية اليمنية في الغالب محشوّة بحزم القات، أكثر من الملفّات الخاصّة بالعمل الدبلوماسي والسياسي وعبر دول العالم؟
لقد تعاقبت على اليمن عدّة حكومات وأنظمة، ومازالت بيئة العمل الدبلوماسي قائمة على أسس غير صحيحة، هذا إذا افترضنا جدلًا وجود بنية من أساسها، ماتزال الخيوط التي تمسك بعمل السفارات هي ذاتها، وبعد أن أصبح اليمن عبارة عن ساحة حرب يتنازعها أمراء الموت، صارت هذه السفارات فاقدة للرؤية أصلاً، وصارت مكاناً يعجّ بالعاطلين، وهم في الأصل روّاد تنسيق الصفقات، وليس لخدمة المواطنين ومحاولة البحث عن المزيد من التسهيلات التي تمكّن المواطن اليمني من الحصول على امتيازات جديدة، أو على الأقلّ، الحصول على خدمة كسائر مواطني العالم في بلدان المهجر. لقد كانت السفارات تخدم رموز النظام وأدواته وشركاءه في السلطة والمال، ولم تكن أبداً تقوم بخدمة المواطن إلّا بصورة عرضية وجانبية فاقدة لمفهوم عملها الحقيقي والأساسي.
وحين تحوّلت اليمن إلى بيئة طاردة لرؤوس الأموال والبشر، وأصبحت السفارات عبارة عن مكان يمتلئ بالمواطنين الباحثين عن تسهيلات معيّنة قد تقيهم من حدّة الإجراءات القاسية التي تتّخذها دول المنافي، تحوّلت الكثير من السفارات إلى أماكن لجباية الرسوم، وبطرق لا يمكن تصوّرها في العصر الحالي. وعلى سبيل المثال، في إحدى السفارات اليمنية تمّ تمكين جباية الرسوم لأحد فراشي السفارة، فحين يأتي المواطن صاحب المعاملة يتمّ إرساله إلى هذا الموظّف، ليتفاوض معه على الثمن الذي ينبغي دفعه، وتتمّ جباية المبلغ، هكذا، بحسب قدرة المواطن على المساومة، ومن دون أرصدة ولا سندات قبض، وكثير من الخدمات التي تعدّ مجانية يتمّ، هنا، طلب مئات الدولارات مقابلها، في تشكُّل للفساد لا يمكن تخيّله مطلقاً.
إن مثل هذه الصورة للفساد المستشري في السفارات لا تغيب بالمطلق عن وعي الحكومة، التي لا يمكن في هذه الحالة أن يأخذنا بها عذر ولا مراجعة. إذا كان فشل الحكومة في الداخل مأخوذاً بفكرة الحرب وصعوبة تواجدها وعملها، فهل يمكن في حالة السفارات أن نجد لها مبرّراً؟ لا يمكن بالمطلق أن تجد أيّ مبرّر لتقاعس الحكومة في معالجة الأخطاء الواضحة والبيّنة، معالجة ليس أقلّها إصلاح هذا الخلل الفاضح الذي يزيد من بلّة طين الألم على المواطن المكلوم في حلّه وترحاله، والأمر الأخطر أن هذه الصورة المخزية من الفساد تقدّم صورة قاتمة للمستقبل، إلّا إذا كانت السفارة في هذه الحالة تحاول أن تحافظ على الفساد، وتأتي به من اليمن بوصفه، هنا، تقليداً يمنيّاً ينبغي الحفاظ عليه.
التعليقات