تستقطب القارة الأفريقية العديد من القوى الإقليمية والدولية والشركات المتعدّدة الجنسيات، بفضل ما توفّره من فرص استثمارية بكر لا تتوفّر في أيّ قارة أخرى، وموارد طبيعية غنية لا تمانع حكومات دول أفريقية كثيرة استنزافها خارج منظومة سليمة تحقق النمو الاقتصادي البعيد المدى، وتصون حقوق الشعوب الأفريقية في مواردها، وذلك لمصلحة ما يمكن وصفه بالاستنزاف المستدام للموارد، وخفض هامش تطوير القطاعات المختلفة. ومن بين تلك القوى، تحرص الإمارات، أحد شركاء الاتحاد الأفريقي البارزين، على صيانة صورتها أفريقياً كقوة تقوم على الدبلوماسية الناعمة. قوةٌ يمكن تلمّس نهجها الاستغلالي في أفريقيا من خلال مشاركتها في «مبادرة الحزام والطريق» التي تعمل الصين على تنفيذها عبر موانئ متناثرة على السواحل الأفريقية (تُقدّر التكلفة الإجمالية لمشروعات المبادرة بنحو 1.1 تريليون دولار). وإلى جانب خبرة الشركات الإماراتية في مشروعات إدارة الموانئ، تُعوّل الإمارات على مكانتها كشريك اقتصادي مهمّ للصين عربياً، من أجل أن تكون كذلك أفريقياً. إذ أن أكثر من 20% من تجارة الصين مع الدول العربية، وأكثر من 25% من الصادرات الصينية للدول العربية تمرّ عبر الإمارات. وهو نموذج تسعى أبو ظبي لاستنساخه في أفريقيا، عبر مدّ شراكاتها مع الصين إلى القارة، وتفعيل أكبر للمبادرات الصينية - الإماراتية التي تعزّز دور الإمارات كنقطة انتقال للصادرات الصينية إلى أفريقيا (وأوروبا). ويتجلّى هذا التعاون بوضوح في اتفاق شركة «موانئ دبي العالمية» و«مدينة البضائع الصينية»، نهاية العام الجاري، على تطوير مشروع «سوق التجار» في المنطقة الحرة في جبل علي بقيمة 150 مليون دولار، لتمرير تجارة سنوية إلى الشرق الأوسط وأفريقيا.
وتنشط الإمارات في أفريقيا عبر ذراعها المهمّة «موانئ دبي العالمية»، التي تُوسّع حالياً عملياتها في السنغال لبناء وتشغيل ميناء «دوفيوتشر» في العاصمة داكار، وأيضاً في موزمبيق وإقليم «أرض الصومال» (بالمخالفة لقرارات الحكومة الصومالية الفيدرالية في مقديشو) ورواندا والجزائر، وذلك بعدما وقّعت أخيراً اتفاقات مع مالي لإقامة منصّة لوجيستيات، ومع جمهورية الكونغو الديمقراطية لتطوير وإدارة ميناء مياه عميقة بقيمة 1 بليون دولار، سيكون الأول من نوعه في الجمهورية. كما تسعى الإمارات لتعزيز وضعها كبوّابة للأسواق الأفريقية، الأمر الذي يتناقض جزئياً مع تأكيدها أنها من أهمّ مموّلي مشروعات البنية الأساسية، وسدّ فجوات السوق في القطاعات السريعة النمو، ولا سيما منها النقل وتوليد الطاقة والاتصالات. وإلى جانب توسّعها في قطاعات تقليدية مثل الزراعة، اقتحمت الإمارات قطاع المصارف، خصوصاً عبر «بنك دبي الإسلامي» الذي تَوسّع في العامين الأخيرين في كينيا وعدد من الدول التي لم يسبق له العمل فيها. وفيما وسّعت أبو ظبي عبر شركة «ياهسات» خدمات «البرودباند» لتشمل 19 سوقاً أفريقية تغطي 60% من السكان، توازياً مع تمويلها تشييد مشروعات للطاقة المتجددة في سيشل، دشّنت شركة «Emirates Global Aluminium» عمليات تصدير خام البوكسيت من مشروعها التعديني في غينيا. يضاف إلى ما تقدم استثمار الإمارات في موزمبيق نحو 3.3 بلايين دولار في 52 مشروعاً في قطاعات الزراعة والتعليم والبترول وغيرها (بينما لم يتجاوز حجم التجارة بين البلدين 25 مليون دولار في عام 2018)، وتنسيقها لبدء استثمارات في قطاع البترول النيجيري في العام المقبل (عبر مشروع مشترك بين شركة أبو ظبي الوطنية للبترول وأرامكو السعودية ومؤسسة البترول الوطنية النيجيرية). وتهدف شركة أبو ظبي تحديداً إلى استخدام نيجيريا كمنصّة لبيع الجازولين في بقية منطقة غرب أفريقيا، بينما تعوّل الشركة النيجيرية على استثمارات في مدّ أنابيب البترول ومراكز التكرير لتعزيز إنتاجها من البترول ليصل إلى 3 ملايين برميل يومياً في غضون ما بين عامين وثلاثة أعوام.
وتتوقع الإمارات مضاعفة استثماراتها في أفريقيا في عام 2020، مع تزايد اقتراض دول القارة ونموّ مشروعات البنية الأساسية، ولا سيما في قطاعات الطاقة والطاقة المتجدّدة والرعاية الصحية والتعليم والزراعة والسكك الحديدية والطرق والتجارة ومناطق الإمدادات، حيث يُقدّر «بنك التنمية الأفريقي» حاجة البنية الأساسية وحدها في القارة الأفريقية إلى استثمارات سنوية بما بين 130 و170 بليون دولار، في ظلّ فجوة تمويلية قَدّرها البنك بما بين 67.6 و107.5 بلايين دولار. وتعمل الإمارات على تعزيز موقعها كخامس أهمّ شركاء أفريقيا جنوب الصحراء التجاريين بحجم تجارة بلغ 22 بليون دولار في عام 2018، وذلك بعد أوروبا (155 بليون دولار)، والصين (120 بليون دولار)، والهند (60 بليون دولار)، والولايات المتحدة (38 بليون دولار)، وترسيخ موقعها في قائمة أهم عشر دول مُصدِّرة للاستثمار الخارجي المباشر في أفريقيا جنوب الصحراء في نهاية العام الجاري. وتعوّل الإمارات على اتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية في كسب مزيد من الفرص. وعلى رغم عدم توقّع تفعيل تلك الاتفاقية بالكامل في عام 2020، فإن الشركات الإماراتية تمهّد الطريق لبناء العلاقات في سوق متزايد الأهمية.
وفي حين تمتدّ مصالح الإمارات الاقتصادية في مختلف أرجاء القارة الأفريقية، فإن المصالح العسكرية والاستراتيجية الإماراتية، أو القوة الخشنة الحقيقية، تتركّز في منطقة القرن الأفريقي التي رأى «المنتدى الأمني الإماراتي» في عام 2019 (وفق تقييماته في منتصف كانون الأول/ ديسمبر الجاري بعنوان: إعادة تشكيل مستقبل القرن الأفريقي) أنها شهدت تحولات مكثفة في عام «استثنائي»، جلّه انتقالات غير مسبوقة «يمكن أن تُحوّل أحد أكثر أقاليم العالم التي تضربها الصراعات إلى إقليم جديد من التعاون والازدهار». لكن الإمارات، بممارستها سياسات تمركز عسكري في إريتريا و«جمهورية أرض الصومال»، تُورّط الإقليم في مزيد من الصراعات مستقبلاً، بينما يتحدث «المنتدى الأمني» المذكور عن ضرورة النظر إلى القرن الأفريقي من نافذة «تأمين الفرص الاقتصادية والاستثمارية والتجارية في القرن والإقليم الأكبر، بدلاً من التركيز على التحدّيات الأمنية وحدها»، وأيضاً ضرورة النظر إلى هذه المنطقة على أنها جزء من اقتصاد المحيط الهندي الأكبر.

 

(محمد مهران - الأخبار اللبنانية)

التعليقات