لم يكن يوم السادس والعشرين من مارس 2015 هو موعد بدء الحرب في اليمن، إنما يمكن القول إن هذا التوقيت هو بداية المعركة الشاملة والأكثر قسوة في تاريخ اليمن الحديث، وها نحن الآن نتخطّى السنة الأولى لهذه المعركة، التي تدور رحاها على جسد اليمن المنهك بالحروب المتلاحقة عبر السنوات. سنةٌ من المعركة على مستويات مختلفة استنزفت قدرات البلد المريض اقتصادياً وسياسياً وإنسانياً، ودمّرت النسيج الإجتماعيّ حتّى العظم، وخلّفت اختلالاتٍ في بنية العلاقات الإجتماعية لا يمكن معالجتها بسهولة على مدى المستقبل المنظور. نجتاز عتبة هذا العالم المشؤوم ثم نلتفت إلى الوراء، ونعود لنلقي نظرة إلى الأمام، ماهي نتائج هذا العام وماذا سيحصل لو استمرّت المعركة عاماً أو أعواماً قادمة؟
سنة أولى معركة في اليمن، هل يجرؤ أحد ما على الوقوف على نتائجها، ومحاولة وضع تقييمٍ منصف لآثارها على المستوى الداخلي والخارجي؟ وهل من جهة قادرة على أن تكون مُخوّلة بوضع جدولٍ واضح المعالم يرصد الآثار الكارثية لهذه المعركة؟ إن المواطن في اليمن فاقد الثقة تماماً بأن يكون هناك من يقف في صفّه أو ينتبه إلى احتياجاته الأساسية. ففي حين تختلط عليه في الداخل رؤى المتصارعين المتلبّسين لبوس الوطنية، تختلط عليه أيضاً رؤى الأطراف الخارجية الذين يحاولون وضع مسمّيات فضفاضة، تغطّي الأجندات الخفية لمصالحهم التي تتظلّل بظلال المعركة ونتائجها، ومن ثمّ فإنّه من الصعب جداً الإعتماد على نتائج بارزة خارج دائرة الصراع، حيث يوظّف كل طرف الأرقام لصالحه ومن وجهة نظره، لكن الكلّ متفقٌ على أنّ الكارثة تحلّ على الشعب المنهك. فمهما اختلفت زوايا الرصد، فإنّها في الأخير تتّجه صوب مكان واحد.

سنة أولى معركة، هل من يتساءل من يستفيد منها؟ من المستفيد من كلّ هذا الدمار؟ لا يمكن الإكتفاء بإيراد نظريات المؤامرة التي تجد مستمعين جيّدين لها وبكميات تجارية أيضاً، فنظريات المؤامرة على كثرتها تتقاطع أصلاً مع خطابات المتصارعين، بل إنها القاسم المشترك بين المواطن العادي وغير المسيّس، وبين أطراف الصراع ذاتها، وهو ما يجعلنا نعيد السؤال مرةً أخرى، من بإمكانه أن يقدّم إجابة واضحة ومحدّدة عن المستفيد الحقيقي من هذه المعركة؟ إن الإنسياق مع نظرية المؤامرة تواطؤٌ غير محمود العواقب مع الحامل الحقيقي لهذه الحرب الملعونة، فلو جمّدنا نظرية المؤامرة وفحصنا دقيقاً من المستفيد من المعارك الدائرة، لوجدنا ذلك المستفيد واقفاً بذاته أمام هذه السوق القذرة. فالمعركة فتحت أبواب رزقها للسوق السوداء وتجّار السلاح، وتجّار المخدّرات، والمنتقمين لذواتهم من بقيّة أفراد الشعب، إنها السوق الرائجة للدمار إذ تتولّد الطفيليات العالقة في أكناف الموت، حيث لا حياة لها إلا في بيئة يسودها الموت والدمار والخراب.
سنة أولى معركة، بعد سنوات متلاحقة من المعارك في بلد لا تغادره الحروب، لم تكن الأولى ولن تكون الأخيرة، ولكن الأمر الذي ينبغي على الجميع التركيز عليه هو أنه كلّما استمرت هذه المعركة يوماً واحداً، فتحت باباً مجهولًا جديداً أمام الإنسان اليمني. كلّ هذا القتل المجاني والحصار الذي يأخذ أشكالاً مختلفة، يتضاعف مع كل ليلة تستمرّ فيها المعركة، وكلما زادت المدّة تضاعفت تكلفتها على الحاضر والمستقبل. يمكن الأخذ بالعبرة من تلك الحروب التي حصلت في سوريا أو العراق، فاستمرار عمر الحرب يعني أن يفقد الناس إحساسهم بأمان هذه الأرض ومن ثم البحث عن أوطانٍ بديلة تستوعب أحلامهم ورغبتهم بالأمن والإستمرار في الحياة، و صنع موجات لجوءٍ جديدة، تجعل الملايين من الفقراء والعاطلين والأمّيين يغادرون بلدانهم إلى أماكن أخرى لا يمكنها أن تقدّم لهم إلّا المزيد من الضياع وفتح مسارب جديدة للتشرّد والخوف والإرهاب، حيث لا يكون للغالبية من هؤلاء الناس القدرة على صنع شيء خارج بيئاتهم في ظلّ أميّة مميتة وفقر قاتل.

سنة أولى معركة، وستظلّ غير محسومة، وإن حُسمت فإنها ستُحسم كمعركة جزئيّة ولن تُحسم كحرب، إلّا إذا تمّ الوقوف على أسبابها الحقيقية؛ من أجل وضع حلول دائمة في المستقبل، قائمةٍ على العدالة والمساواة وإعادة الحق لأهله. وإن لم يتمّ ذلك فإن المعركة ستنتهي، ولكنّها بكلّ تأكيد ستسلّمنا إلى معركة جديدة في سلسلة الحرب اليمنية الدائمة، حيث تؤدّي المعركة إلى معركة أخرى أكبر أو أصغر منها. وإن اختلفت طبيعة المعارك ما بين سياسيةٍ، عسكريةٍ، أمنية، واجتماعية، فإنها في الأخير معارك وقودها الناس والمستقبل. وعلى كلّ من يستشعر بيده المسؤولية أن يعلم أن هذا العام بكل نتائجه الكارثية إنّما هو التمهيد فقط، وفي حال استمر الوضع المتردّي على هذه الحركة السلبية باتّجاه المزيد من التدهور، فإن ذلك سيؤدّي إلى استمرار المزيد من نسج الشقوق داخل جدار المجتمع، والدفع به باتّجاه الإنفجار النهائي الذي سيقضي على أيّ أمل بإعادة بنائه لأجيال قادمة.
التعليقات