يدافع الصديق صلاح الدين الدكّاك في مقاله "صنعاء التي لم تتحرّر بعد"، عن فكرة أن المدن الواقعة تحت سيطرة الحوثيّين وحلفائهم أكثر أماناً وأكثر قدرة على حماية النسيج الإجتماعي والتعايش، وعدم استهداف الناس على أسس مناطقية أو سياسية أو فكرية. وهو في دفاعه هذا، لا ينطلق من سلوك الحوثيّين وحلفائهم، بقدر ما ينظر لسلوك ما تسمّى بالشرعية وحلفائها في المناطق الأخرى، الواقعة تحت سيطرة القوّات الحكومية أو المتحالفة معها، ويتّخذ منها معايير وأدلة دامغة كافية ليصل إلى نتيجة مفادها بأن الحوثيّين ومن معهم هم الأقدر على حماية النسيج الإجتماعي، والمحافظة على الإختلاف والتعدّد، وعدم الإقصاء والتهميش.
إن المنطق الذي يستدعي مقارنة السيّء بسيّء أو سيّء بأسوأ هو المغالطة الأولى، فلا يمكن أن تقدّم نفسك للآخرين أنّك أفضل السيّئين حتّى لو كان الأمر صحيحاً. إن الحوثيّين، بدخولهم صنعاء واجتياحهم بقية المدن، إنّما كانوا ينطلقون من فكرة مثالية تتمثّل في تحرير القرار اليمني من التبعية، وإلغاء الجرعة التي تثقل كاهل الموطن،... إلى آخره من الشعارات، فهل نعود الآن لنقدّمهم أنّهم النموذج الأمثل لأن المناطق المحرّرة من رمقهم توجد بها تصرّفات سيّئة؟ أليسوا هم السبب في إنتاج هذا السوء؟ ألم تكن هذه المناطق ذاتها في حينها بنفس الحالة في صنعاء وبقية المناطق؟ أليس الحوثيّون هم من غزا تلك المدن ودمّرها ومزّق النسيج الإجتماعي فيها، وأنشأ جروحاً غائرة لن تمحوها السنوات؟ وهل يبرّر سلوك الحكومة والشرعية السيّء تصرّفات الحوثيّين وسلوكهم؟
وإذا ما عدنا لصنعاء -التي لم تتحرّر بعد، ولا يبدو في الأفق أنّها ستتحرّر- نجد أن النخب المتحكّمة بقراراتها هي ذاتها صانعة الإستبداد فيها على مرّ السنوات، وأن التغيير الذي يصيبها بين الحين والآخر إنّما هو فقط إعادة موضعة لتشكّلات الفساد والإستبداد على أشكال مختلفة، فلا الحوثيّون هم صنّاع التحرّر لصنعاء، ولا من يقاومهم سيمنحها الحرية. البردوني قال فيها، ذات يوم، راصداً مفصلاً معيّناً من حالات تحوّلاتها التاريخية: دخلت صنعاء باباً ثانياً... ليتها تدري إلى أين انفتح!
إن النقطة الأساسية التي ارتكز عليها مقال الصديق الدكّاك ليقدّم الوجه المشرق للحوثيّين وحلفائهم، هو موضوع التعايش، وكيف أن تلك المناطق الخارجة عن سيطرتهم تفتقد هذه السمة، كما يتمّ مع المختلف معهم مناطقيّاً في عدن أو كما يحصل في تعز، التي قال إنها ضاقت ذرعاً بأيّوب، وبقبر السودي الفقيه المتصوّف. ولست أدري كيف جاز له نسيان أن مبدأ الترحيل بدأ أصلاً من صعدة عقر دار الحوثي، الذي دشّن مسيرته القرآنية بتهجير اليهود من قراهم ومساكنهم، ثم أتبعها بتهجير المختلف معهم سياسيّاً، إلى أن قام، في بداية التحوّل الأخير، بتهجير كبير للسلفيّين من منطقة دمّاج في صعدة.
لست أدري كيف تكون صنعاء نموذجاً للتحرّر الحوثي، وهي المعقل الرئيس لاعتقال الناشطين والشباب المختلفين مع الحوثيّين في الرأي، وهي المكان الذي تتمّ فيه مصادرة المساجد من فكرتها التعبّدية، وتحويلها إلى منابر سياسية، تؤدّي الصرخة أكثر من أدائها الأذان، مع فرض أئمة وخطباء بالقوّة على الناس، وفيها صودرت كلّ وسائل الإعلام وتمّت السيطرة على كلّ مفاصل الدولة بأدوات الميليشيا، واختطاف الأطفال والنساء واقتحام المنازل وتفجيرها، ونهب مؤسّسات الدولة ووضعها تحت تصرّف المجهود الحربي المليشياوي، وممارسة السلوك الفاسد بأبشع صوره من قبل أعضاء الحركة وأنصارها، وإخراج المجرمين من القتلة واللصوص وقطّاع الطرق وتجّار المخدّرات من السجون في تهديد خطير للمجتمع ومستقبله.
سيّد صلاح، الحوثيوّن لم يتركوا مكاناً إلّا وملأوه عويلاً. هم في الحقيقة، بعد اقتحام صنعاء، طوّروا أساليبهم ولم يعودوا بحاجة للتهجير، وأصبحت وسيلتهم الجديدة هي التفجير، فقد وصلت تقنيتهم هذه إلى كلّ مكان في اليمن. لقد فجّروا بيوت خصومهم وما زالوا في صنعاء وذمار وإب وتعز ولحج وشبوة والضالع وأبين، وفي كلّ مكان وصلتها آلة موتهم.
هم، في الحقيقة، لم يهجّروا الجنوبيّين من صنعاء، ولكنّهم نزلوا إليهم إلى عدن، فحاصروهم وقتلوهم ودمّروا بيوتهم وتسبّبوا بتهجير جماعي لهم إلى كلّ مكان. وعندما كانوا يحاولون الهروب بالقوارب، لحقتها قذائفهم وتسبّبت بمذابح جماعية لن تنساها ذاكرة الجنوبيّين.
وأخيراً، يمكنني بشيء من الإختصار أن أقول: صنعاء لم تتحرّر بعد ولا يبدو أنّها ستتحرّر، إلّا حين تتحرّر من تلك النخب التقليدية التي تجرّعها الويل على مدى عشرات السنوات. صنعاء لن تتحرّر وستظلّ تدخل من باب إلى آخر لا يؤدّي إلّا إلى الفساد والمزيد من الإستبداد، حتّى تفكّر جيّداً بالإستغناء عن تلك النخب الفاسدة، التي أدمنت إعادة تموضعها تكيّفاً مع التحوّلات. وما الحوثيّون إلّا أحد تلك الأبواب، التي انفتحت على جحيم الإستبداد والإستعباد، وقد يدخلون بصنعاء باباً لا أحد يعلم إلى أين سيفتح.
التعليقات